وتبقى غزة وحدها التي تقاوم!!

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : د. علي العتوم

إنّه قدرُها المُشرِّف، أنْ تنفردَ من بين أصقاع العروبة والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، بالتصدّي لغارات اليهود الغادِرة، ومنذ بضعَ عشرةَ سنة، لتُصيب كُلَّ شيءٍ فيها بالهلاك والدمار، بشراً أو حجراً، حيواناً أو نباتاً، مدناً أو قُرىً أو مخيماتٍ، ساحلاً أو داخلاً. أجل، إنّه الخراب والدمار وإخماد الأنفاس وإسكات الأصوات، تُريدها تلك الهجمات الإسرائيلية الفاجرة على هذه المدينة الأبية وقطاعها الأشمّ، إذْ أَبَتْ دون غيرها – وإلى أبعد حدٍّ – ألاّ تُسالمَ عدوّاً مجرماً، ووحشاً كاسراً، وجيشاً متغطرساً، وإنساناً كافراً بالله وبرسله وكتبه، بل بأيِّ خُلُقٍ في الإنسانية كريمٍ!!
وإنّه لممّا يُفتِّتُ مَجْمَعَ الأكباد الكريمة، ويُقطِّع نياط القلوب المؤمنة في هذه الأُمّة، بل في أيِّ مجتمعٍ بشريٍّ سويّ، أن تبقى هذه المدينة الباسلة تتلقّى هذه الضرباتِ الحاقدةَ وتلك العدوانات الهمجية، والمجتمع الدولي الذي يزعم أنَّ فيه مؤسساتٍ أُمَميّةً تُحاسب على العدوان وتَكُفُّ بأسَ المعتدينَ، لا يُحرِّكُ ساكِناً ذا بالٍ، أو يُقيمُ النكيرَ على العُصاة، أو يأسى على الأرواح البريئة تُزْهَق، أو يتألّم للآمنين تُسفَكُ دماؤُهم مع تدمير بيوتهم على رؤوسهم وهم غارُّون في نومهم، وتهديم مدارسهم وتخريبِ مزارعهم. كُلُّ هذا – كما يزعمون – في عصر الحضارة والتنوُّر، والعلم والعِرفان، والدول المدنية، وارتياد أجواز الفضاء، وتقارب المسافات، وإبداع الاختراعات!!
غيرَ أنّنا أنَّى أَسينا وتعجّبْنا من موقف هذا المجتمع الدولي من حولنا، لا يأخذُ منّا هذا الأسى ولا ذاك التعجُّب أو التوجُّع، ما يأخذه من موقف أُمّتنا العربية أمام هذه الاعتداءات الصارخة من وحوش اليهود قَتَلَةِ الأنبياء والمرسلين، وهي بمؤسساتها وقُدُراتها وجيوشها وزعمائها تلوذ بالصمت المُطبِق، بل بالخرس الشديد، وكأنّ شيئاً لم يكن، أو أنَّ أمراً لا يعنيها أو يتّصل بها لا من حيث نسب من دينٍ أو دَمٍ أو تاريخٍ أو حضارة أو جغرافيا وجيرة. والأنكى من كُلِّ ذلك أنَّ هذا الصمت العجيب وذاك الخرس المريب، قد لا يكون مِنْ غبش في الصورة أو نقصٍ في المعلومة، بقدر ما يكون – وافجيعتاه – من قبولٍ ورضىً لما يحدث لغزّةَ، بل تشفٍّ بها وشماتةٍ!!
وأمام هذا الموقف الفاجع من أمتنا: زعماءَ وعساكِرَ ونُخَباً سياسية، أنقول: هل عاد عصر أبي رغال ودلالته الغُزاةَ الأحباش على هدمِ الكعبة أشرفِ مكانٍ في بيئتنا الإسلامية، بل في الأرضِ كُلِّها، وهل رجعَ زمنُ ابن سلول وولائه لليهود للإيقاع بمحمّد وأصحابه، وهل آضَ عهدُ ابن العلقمي وعمالته للتتار للغدر بالخليفة العبّاسي وأُسرته ليُعرضوا جميعاً على السيف بسببه، فيُقتَلُوا عن بكرة أبيهم؟! وهؤلاء كُلُّهم عربٌ أقحاحٌ ومنهم مَنْ هو من رؤوس القبائل فيها وزعمائها وأصحاب السُّدَد والأعتاب الذينَ كانت تُرصَّعُ لهم التيجانُ ويُسعى لهم بالصولجان، ومع ذلك ركلوا عروبتهم وإسلامهم، بل باعوا شهاماتهم ومروءاتهم لأعداء الله وأعداء أمّتهم بلُعاعاتٍ، لصغارٍ في نفوسهم وخُبثٍ في صدورهم وقذارةٍ في أخلاقهم، بل لخيانةِ عهودهم مع الله ومع أهليهم. وما أشبهَ الليلةَ بالبارحة، وهل العصا إلاّ من العُصَيَّة، أو تَلِدُ الحيةَ إلاّ الحية؟! 
إنها – بلا أدنى شكّ – المؤامرةُ الواصِبة على الإسلام والعروبة معاً، بل على خِصال المروءة والشهامة في هذه الأُمّة التي آتَتْ ثمارها الحنظلية في هذا العصر، والتي كان أعداؤُها من يهودٍ حاقدين وفرنجة ملاعين، يُرتِّبون لها منذ مئات السنين بل آلافِها ليقضوا عليها وينأوْا بها عن مصادر عزِّها وأُسس رفعتها باللَّتي واللَّتَيَّا والهزِّ والتمرين ومكر الليل والنهار، حتى يُوقِعوها في الحُفرة التي حفروها لها، تماماً كالثور الذي جُرَّ بحبالته إلى مهلكه فكَثُرَتْ حينها سكاكينه وتكاثر ذبّاحوه، وراح كُلٌّ يسنُّ موساهُ ويشحذُ مُديته ويُصلِتَ سيفَه ليَحُزَّ رقبته ويبعجَ بطنه ويُمزِّقَ جلده ويُسلِمه أخيراً للمَوات، فلا مُنَّةَ ولا حَراك ولا حول ولا قوّة. ولا شكَّ أنَّ هذه المؤامرات على مرِّ السنين كان بعضُ أصحابها من أبناء هذه الأُمّة.
نعم، إنّه المكرُ والتضليلُ اللذان مورسا عليها ولاسيّما في هذا العصر، من أعدائها التقليديين من يهود وفرنجة. وقد تولّى كِبْرَ ذلك بإخراجه إلى حيِّز التنفيذ بعضُ أبنائها من عربٍ وعجمٍ على السواء، حيث راحوا – بتأثير المؤامرة وتخديرها – ينادون بإقصاء الدين عن الدولة منهجاً لها في الحياة، والاستبدال به قوميةً فاقعةً تعتزُّ بالجاهليات الأولى حيث راحوا ينبشون عنها القبور الدارِسَة ليتّخذوا منها الرابطةَ البديلة بين أبناء الأُمّة، وراحَ كُلٌّ يفتخر بعصبيته وجنسه ودمه ويدعو لها انخداعاً بوساوِس الشياطين واستجابةً لنزغات الأبالسة. وقد لبَّسوا على الناس في البداية إغراقاً في المكر والمخادعة باحترام العروبة وعلاقتها بالدين، ولكنْ على شكل طقوسٍ مظهرية ومراسِمَ جافّة وعادات مُبتدعة يُعضُّ عليها بالنواجذ، وكأنها أضحتِ الدين نفسَه، وعُدَّ الخروج عليها انتقاضاً على الانتماء للوطن والقوم والمجتمع، ليتمَّ للمتآمرينَ تحت هذه الأغطية وتلك السُّتُر، ذبحُ الدين من الوريد إلى الوريد!!
لقد نجحتِ المؤامرةُ في واقع الأُمّة أيّما نجاحٍ فأُلغِيَتِ القيادةُ الموحَّدة، وغُرِسَتْ نزعةُ العَداء بين أبناء الأُمّة الواحدة من عرب وكُردٍ وترك وبربر ومن إليهم، ومُزِّقَتْ أقطار الأُمة إلى كنتونات مثلما حصل في بلاد الشام تحت اتفاقية سايكس بيكو، إذْ صارت أربعَ أقطارٍ بعدَ أنْ كانت قطراً واحداً، منها فلسطين تُرِكَتْ بلا قيادةٍ عربية لتُعطَى مُلْكاً لليهود ومن ثَمَّ ما بَقِيَ منها بعدَ ذبحها إثر حرب 1948م، ليُشَقَّ إلى نصفَيْن: الضفّة والقطاع، لا سيطرةَ حقيقةً لأهلهما على أيٍّ منهما، ويؤولا من بعدُ إلى مجموعة من أبنائهما الذين تخلَّوْا عن سلاحهم في مقاومة اليهود، وسارعوا شهوةً لتعجّل السلطة فيهما، إلى القبول بها صوريّةً تحت سيطرة اليهود الذين راحوا – كُلَّما أحسُّوا فيهما مقاومةً لهم من أبنائهما – يشنُّون عليهم الغارات الوحشية ليحرقوا فيها الأخضرَ واليابسَ، كما يحصل اليوم في غزّة بعد ضرب أشدِّ أنواع الحصار عليها، حيث أصبحَ سكّانها في سجنٍ خانقٍ وزنزانةٍ ضاغطةٍ ومعسكرٍ للاعتقال!!
لقد تحوَّلتِ الوحدة عندنا كمخرجاتٍ لتلك المؤامرات الخبيثة، إلى فُرقةٍ ونزاعٍ، والقوميةُ (البدعة) إلى إقليميةٍ بغيضةٍ وعنصريةٍ كريهةٍ، وحُورِبَ الدين وأهله وصار يُنظَر إليهما بكُلِّ ريبةٍ وتوجّسٍ. فالدينُ شكلٌ من أشكال التأخُّر والجمود وسبب من أسباب التفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، وأصحابه إرهابيون يجب أنْ يُتحاشَوْا لتصويرهم في دوائر المكر وحوشاً مفترسة لا تعرف إلاّ القتلَ والسحل، بل إبلاً جرباءَ تُعدِي فيجب أنْ تُتَحامَى ويُهرَبَ منها، وأُلغِيَ الجهاد وأصبح يُعَدُّ وسيلةَ بطشٍ وشهوةً لإزهاق الأرواح ليس إلاّ، وصار اليهود أصحاباً كراماً والإخوةُ الأشقّاء أعداءً ، وخُرِّبَتِ المناهج وأُفرِغَتْ من مضامينها، وأصبحَ يُنظَر إلى القرآن فيها بتكرُّهٍ والإكثار من آياته في هذه المناهج وسيلةً لتوليد (الدواعش) كما جاء على لسان بعض الفسقة من أبناء جلدتنا، ويُنظَر للمقاومة نوعاً من الاعتداء على الجار اليهودي المُسالم. 
وراحت جميعُ الأنظمة والمنظمات في بلادنا، إلاّ من رحمَ الله ينادون بالصلح مع اليهود والتقرب منهم وزيارة كيانهم الغاصب والتحبُّب إلى زعمائهم القتلة الذين امتهنوا ذبحَ أطفالنا وشيوخنا وبقر بطون أمهاتنا الحوامل، والاعتداء على مقدساتنا وحرماتنا وعلى رأسها المسجد الأقصى الشريف، مما نتجَ عن كُلِّ ذلك أنْ حارب بعضنا بعضاً بدلاً من أنْ نحارب اليهود والمستعمرينَ بعد أنْ فتحنا لهم أبواب ديارنا على مصاريعها ليجوسوا فيها باستكبارٍ واستعلاء من روس وأمريكان وإنجليز وفرنسيِّين وغيرهم، وكَثُرَ الهرجُ والمرجُ بيننا بشكلٍ لم تشهدْ أمتنا له مثيلاً من قبل، وتخلى العرب والمسلمون عن الأخ وابنِ العم ووالَوُا العدوّ الدخيل وناصروه، وهو ما تمثِّله حال غزّة وأهلها اليومَ – واأساهُ وحسرتاه – بأسوأ مآلٍ وأنكى حالٍ!!
إنَّ الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على غزّة (الثلاثاء 12 – 15/11/2019م) وقتلَ أحدِ كبار قادة (سرايا القدس) في منظّمة الجهاد الإسلامي الشهيد بهاء أبو العطا في القطاع ومعاذ بن أكرم العجّوري أحد رجالهم في دمشق، ومن ثَمَّ أكثر من أربعةٍ وثلاثين من أبنائها ارتقَوْا شهداء فداءً لخُلق الكرامة والإباء، ولاسيّما من أُسرة السوارِكة خاصّةً وأكثر من مئة جريح، تُمثِّل هذه الوحشية اليهودية وتفرُّدَها بالساحة لتخلّي العرب والمسلمين عن فريضة الجهاد وحركات المقاومة ونصرة إخوانهم المنكوبينَ من أبناء غزة خاصّةً جُبْناً منهم ونذالةً وخِسّةً وتخاذلاً. غيرَ أنّه مع كُلِّ هذه المصائب الجسيمة والآلام المُمِضّة لكُلِّ عربي أبي ومسلم صادق، وهذا الوضع البئيس الذي تحياه الأُمّة بتخلِّيها عن نصرة إخوانهم من أهل فلسطين، فإنّه لمّما يُشرِّف غزّة الأبية وأهلها البواسل أنْ تعيشَ قدرَها الكريم، فتكون وحدَها من بين أقطار الأُمّة هي وحدها التي تُدافِعَ عن شرفها وتذودَ عن حياضها. 
إنَّ غزّةَ – إنْ شاء اللهُ – لن تهونَ وفيها من أبنائها المنظمات المقاوِمة وعلى رأسها حماس وأُختها الجهاد الإسلامي اللتانِ مع غيرهما من الفئات المناضلة الأُخرى كالجبهة الشعبية وأحرار فتح سيبقونَ عصيِّينَ على الاختراق أو شقِّ اليهود لصفِّهم المقاوِم. فتحيّةً منِّي لهم جميعاً مبارِكاً غُرفةَ عملياتهم المشتركة للردِّ على اعتداءات اليهود الغادرين، وعزاءً مني مع التهنئة لمنظّمة الجهاد الإسلامي باستشهاد قائدها أبي العطا وابن رجلها في دمشق أكرم العجّوري، معاذ، وعزاءً خاصّاً لآل السواركة في غزّة بشهدائهم وتمنياتي للجرحى فيها بعاجل الشفاء، وللمصوِّر معاذ العمارنة في الضفّة الذي فقدَ إحدى عينَيْه بطلقة قنّاص يهودي، أنْ يُعوَّضَه الله خيراً مما أصابه. وليعلم اليهودُ أنّه رغم كُلّ هذه العدوانات، فإنَّنا لن نذِلَّ بعون الله، ولنا بفضله إنْ عاجلاً أو آجلاً النصرُ عليهم والغلبة، لأنّنا أصحابُ الحقّ، ولهم الخيبةُ والخسران لأنّهم أهلُ بُطْلٍ وبُهتانٍ. وصدق الله العظيم، إذْ يقول لنا مُبشِّراً: (والذينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وإنَّ اللهَ مَعَ المُحسِنِينَ)، ويقول لهم متوعِّداً ومُهدِّداً بنكاله المُهين: (أولئِكَ الذينَ اشتَرَوُا الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، فلا يُخَفَّفْ عنهمُ العذابُ ولا هُمْ يُنصَرُونَ).

اكتب تعليقك على المقال :

أحدث الأخبار