معركة اليرموك بوابة فتح الشام

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : سعود أبو محفوظ

بسم الله الرحمن الرحيم

معركة اليرموك بوابة فتح الشام وجلاء الأروام.

(عرض نفسك لنفحات ولفحات اليرموك: 6000 كلمة تستعرض يوميات الحرب في أكثر من مائة معلومة.)

معركة اليرموك كانت تتويجا للفتوحات التي مهدت الطريق للفتح العمري لبيت المقدس، مثلما كانت معركة حطين تتويجا للفتوحات التي مهدت الطريق للفتح الصلاحي لبيت المقدس.

دولة الخلفاء الراشدين في أقل من ثلاث سنين انجزت اليرموك والقادسية وحررت العراق والشام من احتلال الفرس والروم، والعربان على مدى قرن أنجزوا تنحية الإسلام ليتلهوا بالتطبيع. أكدت اليرموك تفوق العرق العربي ان توافر له مشروع يحمله.ان هزيمة الرومان في اليرموك هي التي شجعت القبائل الجرمانية والاوروبية للتمرد والخلاص من الحكم الروماني البغيض والذي جثم على صدر البشرية لألف عام، وكان السبب الرئيس لانكسارهم هوالانحدار الاخلاقي والتردي القيمي وشيوع الفساد في أوصالهم دولة وأفرادا.

قال بطل صمود البوسنة والهرسك الدكتور علي عزت بيك: “ما قامت حضارة الا بمنظومة قيم واخلاق، وما ارتكست حضارة الا بفقدها”.

اضاءات واشراقات من المعركة:

• قدمت العرب بصورة بهية في الوحدة والنبل والعطاء والتضحية والنبوغ والبلوغ، فلأول مرة ظهرت الجزيرة العربية بقوة على المسرح العالمي كقوة فتح ذات مبادئ سامية دخلت العالم من بواباتة الثلاث للشام والعراق ومصر، وشكلت اليرموك مفتاح سلسلة الانتصارات في مسار الفتوحات الإسلامية للعالم

.• ما أروع (سلاح الروح) والقلب والعقل والنفس والوجدان الذي تجلى في اليرموك.

• مكنت معركة اليرموك عقيدة الإسلام ان تنداح في الارواح، وفتحت الباب للاسلام ان ينساح في كل ساح، وللنهج الرباني ان يتعمق في القلوب والوجدان.

• من أعظم ما قام به أبو بكر حفظ الدين، وتطويع المرتدين، وبعث جيوش المجاهدين لفتح البلاد وتحرير العباد، وفتح الطريق إلى بيت المقدس.

• قال أبو بكر الصديق: “والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد”.

• من أقوال عمر بن الخطاب في اليرموك: “….فلا تهولنك كثرتهم……ولاتوحشك قلة المسلمين، فان الله معك وليس قليلا من كان الله معه…”.

• قال عمر بن الخطاب: “يا أبا عبيدة … اعلم أن سد الإسلام المنيع وحصنه القوي هو العدل فكن على العدل يكن سدا بينك وبين عدوك، وأقم جيشك على الحق والعدل تنتصر على عدوك” وكان يهتف فيهم دوما: “لا رخصة في العدل”.

• رسم خالد بن الوليد صفحة النصر وكتب سطور الظفر عبر سلسلة من من الابداعات والصولات والعزمات المستندة إلى عمق الايمانيات وتجذر التحولات المجتمعية العميقة التي أحدثها الإسلام العظيم في نفوس العرب.

• كانت خطة خالد تقوم على ثبات المسلمين وصبرهم على الهجمات الصليبية المتوالية حتى تتكسر وتتصدع صفوف الروم المتنافرة أصلا، ثم تدشين الهجوم الاسلامي المضاد، فلما صرخ أحد الجنود: “ما أقل المسلمين وما أكثر الروم”، نهره خالد قائلا: “ما أقل الروم وما أكثر المسلمين، انما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال، أ بالروم تخوفوني؟”

•استطاع سيف الله المسلول(الذي لا ينكسر) امتصاص كل الموجات الهجومية واستيعابها في الايام الأربعة الاولى رغم ضرواتها، فهو يدرك حجم قواته ومقدراته القليلة في مواجهة العالم المسيحي انذاك، لذلك كانت تكتيكاتة ناجحة في تبديد زخم العدو، فلم يبادر بالهجوم الشامل الا عندما سنحت الفرصة المواتية لخلخلة القوات المعادية، تلك استراتيجيته التي اتبعها في 100 معركة انتصر فيها جميعا دون هزيمة واحدة.

• لقد كان خالد أسد الإسلام ومعجزة الزمان والمكان والانسان وفخر الفرسان في التاريخ وصرخة الابداع الهجومي حيث الألمعية في استخدام القوة الراكبة الخفيفة التي تتحرك طوال المعركة، وتنقض بسرعة من ساحة إلى ساحة ومن نزال إلى نزال ومن دفاع تكتيكي إلى هجوم استراتيجي تجدها عند الطلب لتحول مجريات الاحداث ولترسم مسار المعركة حسبب ارادة خالد بن الوليد رضي الله عنه.

• كان الجيش الامبراطوري قوة ضخمة غير مسبوقة، لكنه يعاني من تفرق القيادات وتعدد اللغات (أوروبا في مواجهة خالد) وتنوع الدوافع، وغياب هرقل نفسه، فكانت هجماتهم حسب الرغبة وليس حسب الحاجة مع الفشل التام في تثمير النتائج وتطويرها، والتردد الكامل في بناء هجوم قوي وكاسح ما أفسح المجال لقيادة موهوبة وبارعة وموحدة كانت تتدخل بحركات رشيقة وسريعة لفرض ارادتها في الميدان تهيئة للحظة الحسم النهائي للحرب مرة وإلى الأبد، فتغير وجة الشام لابل وجة التاريخ من اليرموك.

• لقد كان “خالد هو الحل” فهو صانع كل الحلول ومحرك كل الأحداث ومدبر جميع الاشتباكات، بينما فشل ماهان ألارمني وقناطر الروسي وجبلة العربي وغريغوري الجورجي والدرنجار اليوناني وجرجة الرومي وتيودوروس البيزنطي وغيرهم من الجنرالات، عجزوا جميعا عن اجتراح حلول ناجحة لاستغلال القوة الامبراطورية الهائلة لفرض نهاية ناجحة ونصر حقيقي على الأرض ضد القوة العربية الرسالية الصاعدة.

• لقد قاد خالد جيشا عقائديا ليتحرك به بمهارة فائقة لطحن أكبر جيش عملاق جمعته المسيحية الغربية منذ قرون، فاستغل بطئ حركتهم واختلاف قادتهم، فنازلهم على دفعات ضمن قطاعات يعزلها للخلاص من تأثيرها تباعا، مستفيدا من طبيعة الطبوغرافية المعقدة والتي اختارها هو بعناية وتفوق ليفتك بهم منفردين وليحول بين اجتماعهم عليه.

• المسلمون قوة جهادية صغيرة، ولكنها منظمة وتمتلك رسالة تقدمها ولها قضية تحملها، سلاحها العدل ” ان الله يامركم بالعدل والاحسان …” وذخيرتها القيم والاخلاق السامية، استطاعت بقيادتها الرسالية الحكيمة والمتمرسة االتغلب على جيوش امبراطورية لجبة، لم تصمد امام الايمان والجرأة والشجاعة والمجازفة المحسوبة”، … وأعلموا انه ليس بالجمع الكثير كنا نهزم الجمع الكبير…”

• ماهان حاول استثمار الفارق العددي والتسليحي للروم، وكانت عدة خالد الجيش المؤمن والصف القويم والنهج المستقيم، فاستعلى الايمان على الكفران وانتصر جيش دولة الراشدين( 632_661م) على القطب الاوحد في الكون انذاك.• ابن كثير: “فلم تر في ساحة اليرموك الا مخا ساقطا، وعصما نادرا، وكفاء طائرة”، واستشهد من المسلمين بضعة الآف بعضهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرالشهداء من قبائل الأزد من عسير، ودفنوا في قرية عقربا الاردنية المجاورة وقرية سحم قرب ميدان المعركة وبعضهم دفن في الغور، أما الجرحى فقد تجاوزوا 28 الفا، وبعد المعركة جحفل ابوعبيدة سبعة جيوش إلى بيت المقدس وخرج هو في آخر يوم ومعه النساء وبقايا عشائر قبيلة الأزد اليمانية تكريما لهم.

• في اليوم الرابع كادت الهزيمة المذلة ان تحل بالمسملين وعصف بصفوفهم عصفا، وتقدم الأروام من كل الجوانب ولكن توفيق الله هيأ لتكتيكات خالد ان تنجح في خلخلة زخم الهجوم، وما أروع اقوال سيدنا عكرمة بن ابي جهل في سعيه للانقلاب على سالف مواقفه من الإسلام واطلاق صرخة النفير للباحثين عن الاستشهاد الفوري والشهادة الصادقة في اللحظة الفارقة، فبايعه على الموت 400 مجاهد انغمسوا في القوم لردهم واستشهدوا جميعا، ولفظ عكرمة أنفاسة على فخذ خالد وولدة عمرو على ساقة.

• على الدوام كان الزبير بن العوام رائدا في المواقف المشهودة في الصدق والالتزام والاخلاص والاقدام المتميز والتفاني، وكعادتة المعهودة: لما حزب الأمر شد الزبير بن العوام رضي الله عنه على صفوفهم فاخترق المقدمة حتى طلع من الجهة الأخرى، ثم تعمد العودة من مؤخرة الجيش إلى مقدمتة, وشهد ذلك ولده عبد الله الذي عاين فعلة أبية وكررها لاحقا وبنفس الاسلوب في فتح شمال أفريقيا، وكانت أمه اسماء من شهود المعركة.ليدل هارت: “هاجم العدو حيث لايكون مستعدا للهجوم ….واضربه حيث لاينتظر منك الهجوم”.التمهيد للمعركة الفاصلة:- كان هرقل عظيم الروم (610م-641م) ملكا متدينا يتمتع بالحكمة ويتحلى بالموضوعية والانجاز، فهو صاحب الانتصار المدوي على الفرس في بيت المقدس بعد هزيمة الروم النكراء، وهو الذي طهر بيت المقدس من اليهود الذين تسللوا اليها لأول مرة منذ خمسة قرون عام 621م تحت مظلة الغزاة الفرس، لقد واجه هرقل ضغوطات وتحديات شديدة من القسس والرهبان والقادة العسكريين الذين حملوه مسؤولية كل الهزائم السريعة وخسران المدن الشامية على يد الجيوس المسلمة الاربعة التي حركها أبو بكر مباشرة بعد الفراغ من تطويع المرتدين العرب، فهو لم يبادر لاسترداد الولايات المفقودة التي خسرها لعدم توافر الامكانات، ولقناعته ان ماحصل “ارادة الرب وذنوب الشعب”، وأكتفى بطلب الشفاعة في كاتدرائية انطاكية.- عندما دب الخلاف في المستوى القيادي لدى الروم غادر هرقل بعد أن كل باهان الأرمني المتمرس بقيادة الجيوش وصرف له مبلغ 200 الف درهم وهو مبلغ كبير بتلك المقاييس وصرف لكل قائد دونه مبلغ 100 الف درهم، ثم خاطبهم بقوة وحرك عواطفهم للقتال لحفظ أعز ما يملكون، واغلب المصادر الغربية أكدت ان عدد الجيوش الرومانية كان 400 الف مقاتل، بينما أكثر المصادرالعربية أشارت إلى انهم 240 الف مقاتل وبعض المؤرخين العرب قلصهم إلى دون ذلك.- كان الروم هاجموا جيش خالد بن سعيد في مدينة تيماء بالحجاز فسارع أبو بكر الصديق بتوجيه الجيوش الاربعة إلى مختلف اقاليم الشام والتي فتحوا معظمها خلال فترة وجيزة.- ثم رضخ هرقل لصخب المؤسسة الدينية وحماسة المؤسسة العسكرية فحرك القطاعات لمهاجمة جند ابي عبيدة في حمص ثم جند يزيد في دمشق، اضافة إلى جند عمرو بن العاص حول الخليل في فلسطين وجند الأردن بقيادة شرحبيل، وكان ابوبكر قد حركهم جيوشا مستقلة وكاملة التجهيز التعبوي لكنه وجه الأمراء للتياسر فيما بينهم مع الاشارة عند الحاجة إلى مرجعية ابي عبيدة أمين الامة والمبشر بالجنة.- حاول عربان أعالي الفرات ومعهم جبلة ابن الايهم الغدر بالمسلمين في حمص، ولكن التوجية صدر بانسحاب جميع الجيوش إلى حوران لقربه من مركز الدولة المسلمة، حيث احتشدت الجيوش الاسلامية في الجابية شمال درعا الحورانية، اخلوا المدن وانتظروا ثلاثة شهور بدون قتال ولا نزال ولا فتوحات وكان هذا ثقيلا على نفوس الجند، وجرت مشاورات مكثفة بين القادة، وحصلت مراسلات عديدة مع ابي بكر الصديق حري بها ان تدرس لأجيال المسلمين.- أمرخليفة المسلمين أبو بكر خالد بن الوليد ان يؤجل انتصاراته الباهرة على الفرس وان يتوجه لنجدة المسلمين، ومن ذلك رسالتة: “يا خالد، يا خالد إلحق باخوانك في فلسطين …. فان قرية يفتحها الله عليك في بيت المقدس، أولى لي من رستاق من رساتيق العراق”.

– امتثل خالد فورا واخترق من بادية السماوة وسلك دربا خطرة وغير مطروقة شقها لسرعة الوصول إلى أرض المعركة، ورغم ندرة المياة وطول المسافة استطاع ان يهاجم عشائرالعربان من أتباع الروم في طريقه ويفتح حصونهم، وتقاطر علية باقي جيشه وكانوا 9000 تقريبا وفيهم بنو كنانة الذين لازالت مناطق اليرموك تحمل اسمهم وفيه بقاياهم.

– كان هرقل قد اعلن التجنيد الاجباري فجمع كل قادر على حمل السلاح وأعلن النفير العام فنزل الرهبان من الصوامع بالطيلسان والصلبان، وحمل اليهم مافي الاسواق وزودهم بالسلاح “فجمع عليهم مالا تطيقه الارض”، وكانت الخطة ان يجهزوا على المسلمين في مواقع انتشارهم قبل الانسحاب السريع والتكتيكي إلى حوران.- اكتمل للروم حشد ضخم من خمسة جيوش توجه بعضها إلى حمص ثم بعلبك فالجولان ثم نزلوا الهضبة.

– وان أصلب قواتهم جيش الأرمن بقيادة ملكهم فاهان وتلفظ باهان ويلفظها العرب ماهان.

– وجيش الكرج والجورجيون واهل القفقاس بقيادة غريغوري.- والجيش العربي من الغساسنة ولخم وقضاعة وبلقين وعاملة وجذام، وكانو نحو 120 ألفا ومعهم الخيل والابل بقيادة الملك العربي جبلة بن الايهم، الذي حاز أكاليل العار لاستمرائة دوام التبعية الذليلة للروم.

– وأما الجيش الرابع فكان لليونان والصرب والروم والبلقان عموما بقيادة الدرينجار وكان ماكرا وقديرا. – والجيش الخامس بقيادة الامير الروسي ابن قناطر ولحمته الروس وعموم السلاف.

• وشارك اخرون منهم أبن الجنرال الفارسي شهر باراز والأغلب انه حارب مع غريغوري، وشارك تيودوروس شقيق هرقل …، لقد كانت حربا عالمية كونية للتصدي لللاسلام الناهض حيث لم يجتمع للأروام مثل هذا الجيش منذ قرون، لقد ارادوها ملحمة كبرى ومنازلة فاصلة مع الإسلام العظيم، قال المؤرخ George F. Nafziger في كتابه الإسلام في الحرب: “كانت معركة اليرموك واحدة من أشهر المعارك الحاسمة في تاريخ البشرية…… ولو حققت قوات هرقل النصر، لكان العالم الحديث مختلفا، وغير محدد المعالم”.

• دارت المشاورات بين المسلمين، وظهرت أصوات تطرح الانسحاب نحو العقبة لابل طالب بعض القادة بالتراجع إلى العلا في عقرالحجاز والتنازل عن جنائن الأردن، وهنا تصدى لهم الحافظ الماهر والمفتي الفقية معاذ بن جبل وقال: “… فما أشد على المسلمين دخولها بعد الخروج منها، وهل يصلح لكم ان تخرجوا منها وتخلوها وتتركوا البلقاء والاردن وقد اجتبيتم خراجها الا أن تدافعوا عنهم؟، أما والله ان خرجتم منها ثم أردتم دخولها بعد الخروج منها لتكابدن من ذلك مشقة”.

• فكتب أبو عبيدة إلى امير المؤمنين يعلم بان الروم نفرت برا وبحرا وجاشوا على المسلمين ونزل حملة السلاح والرهبان والاساقفة من الصوامع ومما قال: “… فالعجل العجل يا امير المؤمنين بالرجال بعد الرجال، والا فاحتسب أنفس المؤمنين ان هم أقاموا واحتسب دينهم منهم ان هم تفرقوا …”.

• فكان الرد الراشد: “فلا تهولنك كثرة ما جاء منهم … ولا توحشك قلة المسلمين فان الله معك وليس قليلا من كان الله معه …”.

• وطلب عمر من حامل الكتاب أن يعجل المسير وعند الوصول ان يقرا الكتاب على أهل كل راية “… يا اهل الإسلام اصدقوا اللقاء، وشدوا عليهم شد الليوث واضربوا هاماتهم بالسيوف ليكونوا اهون عليكم من الذر …”.

• كان أمراء الجيش في مجلس الشورى الذي عقد في خيمة يزيد بن أبي سفيان في سفح الجابية يستمعون إلى تقرير معلوماتي من أحد العيون الذي أفاد باكتمال نزول الروم على نهر الرقاد من جهة اليرموك، وهنا فاجأهم أبو سفيان وهو ذو خبرة ودراية بمعزل عن الاستدراكات على ادواره السابقة ضد الإسلام فالإسلام يجب ما قبله، وبعد حوار حسم أبو سفيان ان موقعهم ليس بمأمن: “اني أخاف ان يأتيكم أهل الاردن وفلسطين فيحولوا بينكم ومددكم من المدينة المنورة فتكونوا بين عسكرهم، فأرتحلوا حتى تجعلوا أذرعات (درعا) خلف ظهوركم يأتيكم المدد والخير”، وقدم لهم تشكيلة قتالية وتوزيعا ملائما للقيادة وتطوع بتقديم استشارات عسكرية مهمة اخذوا بعضها وأوصى: “لا يحولوا بينكم والبراري والصحاري والابل”، !! فهو أسلم في الفتح وجاء جنديا في جيش ولده يزيد حاكم دمشق وفاتح صور وصيدا وبيروت، وكان معه ابنته جويري

ة وزوجته هند وولده معاوية ولعبوا ادوارا مؤثرة كل من موقعة. • تقدم خالد بالجيوش الإسلامية نحو المقارن وهي التقاء نهر اليرموك القادم من سوريا بطول 75كم ورافد علان القادم من الطرف الأردني مع نهر الرقاد المنحدر من الجولان وذلك لحرمان الرومان من كل مهرب، قال عمر بن العاص: “ابشروا، فما حصر قوم أنفسهم قط الا حوصروا وحصروا”، فكانت جحافل الروم كأنهم في قنينة مغلقة فاختار خالد أن يكون المسلمون لها “الفلينة” التي تغلق عليهم كل أمل في النجاة.

• واليرموك مأخوذة من الرمك وهو لون الصخور البركانية على حافتي الوادي بطوله، وزحف الروم إلى الوادي، كي توفر سلسلة جبال الشيخ الجليدية الحماية لظهورهم.

• وكان الروم دخلوا إلى الوادي مزهوون بعددهم وعدتهم، كانو جيوشا لجبة وحشودا جرارة، يتبختر أمامهم مرتزقة العربان على خيولهم والبعران، ثم تبعتهم المقدمة وهم يحملون الاشجار والحطب ثم اكتملت صفوف الجيش في عشرين صفا، فوضعوا الروس وتوابعهم في الميسرة مقابل ميمنة المسلمين وعليها عمرو بن العاص، وثبتوا الأرمن الأشداء في المقدمة والقلب وامامهم العربان للمشاغلة والمناوشة, ويقابلهم شرحبيل أمير جند الاردن وعنده أبو عبيدة ومعاذ في المهاجرين والانصار وأهل بدر الكبرى، وخصصوا الميمنة للأوروبيين والبلقان واليونان والاروام وتوابعهم وعليهم الدرنجير وغريغوري، ومن خلفهم كانت تشكيلات الخيالة المدرعين والمؤطرين بعدد يفوق 40 الفا، وكان مقابل الميمنة الرومية يزيد بن أبي سفيان، وأبدع خالد في توزيع خيول خفيفة الحركة سريعة التدخل في اماكن منتخبة ومشرفة خلف خطوط المسلمين وأبقى قوة احتياطية أميرها قيس بن هبيرة.• وبلغ طول ميدان المعركة 18 كم تمتد على أودية وتلاع وتلال ووهاد ومنعرجات تنتشر عليها القطاعات الرومية.

• وقف المسلون في مواجهتهم وظهورهم إلى درعا والطره من قرى الرمثا، ووجوههم نحو الغرب فالشمس في ظهورهم أول كل صباح من أيام القتال الستة

.• وكان خالد قد اعاد جحفلة الجيش الاسلامي بأساليب جديدة حيث أعاد خلط الجيش على أساس الدم والرحم والقرابة والقبيلة ليقاتلوا معا ويضحوا سويا، حيث هيكل المشاة في كراديس (كتائب) في كل كردوس الف مجاهد، وأحينا يقلون إلى 600 فقط وعلى راسهم قائد من نفس القبيلة يطيعونه ويقاتلون تحت امرته، وطلب منه ان يتبع النظام العشري فكل كردوس فيه (10) أمراء وتحتهم عرفاء يقود كل منهم (10) جنود من المسلمين، وحفظت لنا كتب االتاريخ اسماء (38) قائدا من قادة الكراديس، ثم جمع كل عشرة كراديس في فرقة تحت امرة القادة الكبار الأربعة، وكان لكل كردوس مجموعة استطلاع ومعلومات لفحص الارض وتمحيص ماعليها.

• ويبدو انه كان هناك مقدمة وراء مقدمة للمسلمين، ومن خلف الميمنة ميمنة أخرى، وكذلك ميسرتان لاسباب موضوعية، ومن خلفهم نشرخالد 10 الاف من الخيالة من بينهم كتيبة خالد الاستراتيجية (300 فارس) ويساعده ضرار بن الازور، وطلب خالد من ابي عبيدة: “… فولني ما وراء بابك وخلني والقوم فاني لارجو ان ينصرني الله عليهم” وكان خالد من أعظم الناس بلاء واحسنهم غناء وأعظمهم بركة وأيمنهم نقيبة وكانوا أهون عليه من الذباب. • اما الجيش البيزنطي فقد استخدم اسلوب التشكيل العسكري تسودو Testudo حيث يتراص الجنود تحت حماية الدروع لحماية أنفسهم وتغطية مجموعهم، وكان المشاة يتسلحون بدروع معدنية للصدر وللساقين وصفائح مدرعة مع وصلات جلدية ثقيلة، واستخدموا السيوف الطويلة Spathion وكذلك استخدموا الرماح الخشبية Kontarion وكان معهم أقواس Toxarion مع أربعين نصلة محمولة في الرف لكل جندي، والعجيب أن كل فارس كان يخدمه 10 من المشاة، وكان لكل 40 جندي طباخ ملتزم، ولكل 400 عسكري طبيب خاص فهم جيوش القطب الأول في الكون، ورغم كل ذلك فلم يكونوا في الواقع أكثر من تجمعات هجينة من المرتزقة فالعربان مثلا لايعنيهم من القتال الا الفكاك من عنت الضرائب المترتبة عليهم للدولة البيزنطية.

• لسوء الطالع ان الجيوش المسيحية اجتمعت في ذروة الصيف في آب اللهاب ونجم عن تجمعهم وطول انتظارهم توترا بين القادة المتنافرين، واحتكاكات بين الجند، وتعديات على املاك الأهالي في منطقة خصيبة كان الرومان يطلقون عليها “خمارة العرب” واستفحل التطاول على الناس، وسادت أجواء عدم الثقة بين اليونان والأرمن وعرب الغساسنة، كل هذا وهرقل يراقب المشهد الحربي عن بعد.• المسلمون كانوا يخوضون معارك الفتح الاسلامي وهذا مكنهم من اسر اعداد كبيرة من الأسرى الروم الذين اطلعوهم على التوجهات الرومية تفصيلا.

• تفاجأت الروم بتجمع المسلمين معا في مكان واحد لأول مرة شمال الأردن، الأمر الذي أغرى هرقل بجحفلة القوى الرومانية لطرهم إلى الحجاز فتحركت القطاعات الرومية تباعا ويتولى فرسان العرب الغساسنة الحماية والمشاغلة، ورغم ذلك كانت المبادأة دوما بيد المسلمين الذين سبقوهم للاستئثار بالمواقع الافضل في ميدان المعركة.

• في ذروة الاستعداد للمعركة توفي أبي بكر وبويع عمر بالخلافة فقام بعزل أبن خالته المخزومية خالد بن الوليد، ولكن التنفيذ ثم ارجاؤه ميدانيا إلى ما بعد الحسم في معركة اليرموك وذلك لأسباب موضوعية، عزل خالد رسميا ولكن استمر بالتفويض من أبي عبيدة لتنقلب الهزيمة الوشيكة للمسلمين إلى نصر تارخي مؤزر.• أثناء التجهيز للمعركة الفاصلة، أبطل عمر بن الخطاب جهود هرقل للتحالف مع يزدجرد الثالث كسرى الفرس، وشرع بالتفاوض معه لتفادي تحالفهما ضد المسلمين، وهما امبراطوريتان من اعظم امبرطوريات التاريخ نجحت خطة عمر في اشغال الفرس وزادها نجاحا وجود الاضطرابات الداخلية التي كانت يواجهها كسرى في الداخل، وبعد 40 يوما هزم عمر الفاروق جيوش فارس في القادسية كي يحول دون تحالفهما ضد الإسلام الصاعد. مسرح العمليات كان عجيبا:

• تم تخصيص معسكر لنساء المسلمين خلف الخطوط العسكرية، وكلفن بمهام محددة، واثناء المعركة كانت لهن مشاركات مؤثرة، وقمن بواجب السقاية والامداد والانشاد الحماسي وقرع الطبول ورفع المعنويات والتمريض، بالمقابل جهزن الحجارة الكبيرة والخناجر لطعن الفارين من الزحف

.• كانت النساء يشهدن المعارك في العهد النبوي الشريف، وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يصعد اليهن ويعظهن في بداية المعركة وكن يؤدين أدوارا مقدرة، وهو ذات الامر الذي فعله سيف الله المسلول قبيل الشروع في معركة اليرموك الخالدة.

• ثم أقبل الروم ولهم أصوات كالرعود فصعد خالد بن الوليد إلى هضبة النساء فقال: “يا نساء المسلمين أيما أقبل اليكن منهزما فاقتلنه”، فحملت النساء الخناجر وتجهزن للنزال يوم أن كانت السيوف تحصد الأرواح.

• وقاتلت النساء عند الحاجة أحسن قتال، وكذلك كان دور النساء حاسما في التصدي للمنسحبين الفارين من الميمنة والميسرة وحثهم على الصمود وتحريضهم على معاودة القتال ونصرة المسلمين، وكانت النساء تفوقن على أنفسهن عندما لاحت الهزيمة في اليوم الرابع للمعركة، وكانت هند تقول: ” لستم بعولتنا ان لم تمنعونا”, وقالت “عضدوا غلفان الروم بسيوفكم”.

• ولقد سئل إبراهيم النخعي عن جهاد النساء فقال “… وقد قاتل نساء قريش يوم اليرموك حين رهقهم جموع الروم حتى خالطوا عسكر المسلمين، فضرب النساء يومئذ بالسيوف في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه”، وعن عمرو بن مهاجر عن أبية: “أن أسماء بنت يزيد الأنصارية شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت من الروم سبعة بعمود فسطاط ظلتها”.

• وقام أمراء الجيش المسلم كأبي عبيدة ومعاذ وعمرو بن العاص وغيرهم يستنهضون الهمم ويحثون على الصبر واستاذن أبو سفيان بخطبة طويلة منها: “… انكم يا معشر المسلمين اصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأبل، بعيدون عن المدد … وأن الأرض ورائكم وبينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحاري وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معقول الا الصبر … فلتكن سيوفكم هي الحصون بعد الله ..” وقام معاذ بن جبل: “…واعلموا ان الجنان لاتدخل بالتمني”، وكان أبو هريرة ينادي باعلى صوته: “تزينوا للحور العين، وارغبوا في جوار ربكم عز وجل …” وقال خالد: “اني لأرجو أن يمنحكم الروم أكتافهم”.

• وأثناء اقتراب الجيشين الإسلامي والصليبي، كان ماهان الأرمني يتعمد التماس مع المسلمين ليذهب الرهبة من قلوب جيشه، الذين كان يخاطبهم يوميا بعبارات تحط من قدر العرب وتاريخهم وفقرهم وبؤسهم.

• المسلمون كانوا يخوضون معارك الفتح الإسلامي وهذا مكنهم من أسر أعداد كبيرة من الأسرى الروم الذين اطلعوهم على التوجهات الرومية تفصيلا.

• أضحى المسلمون طيبة نفوسهم بلقاء الروم، منشرحة صدورهم لجهادهم، واثقة قلوبهم من نصر الله، وخرجوا وفق التنظيم الذي حدده لهم القائد العام يحملون الرايات

.• بعث فاهان الارمني إلى خالد: “أن رأيت ان تخرج الي في فوارس وأخرج اليك في مثلهم نتذاكر أمرا لنا ولكم فيه صلاح”، وافق خالد وخرج اليه ونزل هناك في خيمتة الحمراء، ثم التقى ماهان بعد المرور بين صفين من الخيالة حاملي السيوف المشرعة، واستمع إلى عروض واغراءات فورية وآجلة ولكن خالد كان مستعليا استعلاء الايمان، “الحوار الطويل كشف عن أرقى صنوف الدبلوماسية الحربية لخالد”.

• وكان باهان قد جمع الجيوش وحمل إليها الأسواق والمقدرات وتجهز للحرب ولكن المسلمين لا يابهون لذلك ولا يشعرون بأثرة ولا ضرره، لأن الأردن في ايديهم وهم فيه مخصبون ومكتفون. • ثم حصلت مبارزات ومناوشات استعراضية قبل ان يتجهزوا للصدام النهائي، قال الحارث بن عبد الله الازدي: “… وجاءت جموع الروم وهم يجرون الشوك والشجر (للدفاعات) ومعهم البطارقة يقصون ويحرضون ويؤججون، ولكن المسلمين كانوا يثقون بالله أولاً، ويطمئنون إلى دراية خالد بالحروب”.

• وخالد بدوره كان يوجه باقتتدار ويوزع الادوار باحتراف، وقال في بداية المعركة كلاما يوزن بماء الذهب، وطلب من القادة ان يتياسروا لبعضهم لان تأمير بعضهم لا ينقص من قدرهم عند الله شيئا، وقال: “… ان رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وان هزمونا لن نفلح بعدها أبداً”

• في المعركة كان القاضي أبو الدرداء، والقاص الذي يحمسهم أبو سفيان، وكان على الطلائع قباث بن أشيم، وعبد الله بن مسعود على الغنائم، وكان القارئ المقداد الذي كان يقرأ الانفال كما قرئت في القادسية التي حصلت بعدها بأربعين يوماً، وكان خالد يطوف على الكراديس والصفوف قائلا “يا أهل الإسلام ان الصبر عز وان الفشل عجز”.• وحسم باهان أمره وتقدم بالجيش اكثر بعد ان كان الرهبان طالبوه باخراج مائة ألف في كل يوم ويرتاح الباقون ثلاثة أيام.

• ثم اخرجوا كتابئهم فاقبلت الكتائب في اثر الكتائب حتى طوقوا الأرض، كأنهم الجراد الأسود، وكان تقدمهم في يوم ذي ضباب ورذاذ فاصطف لهم عشرون صفا لا يرى طرفهم وجعل على الميسرة أبن قناطر، وعلى الميمنة الدرنجار وكان من خيار الروم ونساكهم وكان جبلة بن الايهم الغساني طليعة الروم للمناوشات قبل المقدمة والقلب في 120 الفا من قبائل لخم وجذام وبلقين وعاملة وقضاعة وغسان من العراب المرتهنين للروم، ونقل الجواسيس العرب احوال المسلمين العبادية والتعبوية إلى قادة الروم فما زادتهم الا خورا وجزعا.

• في ليلة التجهيز النهائي للمعركة هبت رياح القيظ الحارة من جهة اربد في الجنوب الغربي، ولحسن الحظ انها كانت في ظهر المسلمين وفي وجه الروم الذين تأذوا كثيرا من ذلك.يوميات المعركة في ستة أيام حقيقية !!!!!!:اليوم الأول للحرب:•

أندلعت الحرب صباح الأربعاء 15/8/634م، وانتهت بالنصر التاريخي مساء 20/8/634م وهناك تأكيد على انها كانت في 5/7/13 للهجرة الشريفة وكان أبو بكر توفي في بداية شهر اب 634م (والله أعلم)، حيث كان يومها غائما وعاصفا وفيه رذاذ رغم أجواء الصيف، (ليس صحيحا الشائع في أكثر المصادر بان المعركة حصلت عام 636م، فالرسول صلى الله عليه وسلم توفي عام 632م).

• بدأ المبارزون الرومان الذين تقدموا لمبارزة المسلمين فغلبوا واحدا واحدا، لمهارة أبناء الصحراء وحملة الرسالة، وممن برزوا جرجة (جورج بن ثيودورس) الذي كان قائدا في فرقة الوسط الأيمن في الجيش المسيحي، ولكنه أسلم بعد حوار على الخيل مع خالد بن الوليد واستشهد بجانب المسلمين مجاهدا، ودشن ماهان الأرمني المعركة بزج ثلث جيشه في هجوم مباشر على ميسرة المسلمين التي تراجعت وتناثرت فتدخلت خيالة خالد لتصد الهجوم ولتنقل المعركة إلى مقدمة الروم ثانية.

• ومع بدايات المعركة أمر خالد عكرمة والقعقاع بمهاجمة القطاعات الرومية من الطرفين الايسر والايمن ضمن حركة تكتيكية للأرباك، ومن بعدها الانطلاق لتهديد الجسر الروماني القائم على نهر الرقاد والذي عبره تتم تغذية الجيوش المسيحية بالامداد والتموين الواصل عبر الجولان، ومنذ الصباح امتلأ فضاء المعركة بالتكبير الذي هو هتاف الحرب، وبقي المقداد يتلو سورة الانفال باعلى صوت لتكون النشيد الدائم في هذه المعركة التي لم يشهد الشام مثلها لاقبلها ولابعدها، ولم يشهد الإسلام حجم نتائجها الاستراتيجية. في اليوم الثاني:

• مع صلاة الفجر شن الروم هجوما مباغتا ولكن النقاط الدفاعية التي وزعها خالد بن الوليد تصدت للهجوم الشرس حيث تقدم الروم برهبانهم وطيلسانهم وصلبانهم، فكانوا جدرانا من الحديد تلو جدران، وكانوا كالليل كانوا كالويل كانوا كالسيل فهدهم سيف خالد هدا هدا، حيث وزع خالد خيالة التدخل السريع لوقف تقدم العدو الذي ضعضع الميسرة والميمنة المسلمة معا، واستطاع أحد مساعديه من الخيالة وهو ضرار بن الأزور أن يصل بفرسانه إلى قلب الجيش الامبراطوري من الجهة اليمنى وتمكن ضرار من قتل القائد الدرنجير رغم أنه كان على رأس ألفي فارس

.• لكم أفقدتهم صلاة المسلمين في الفجر صوابهم فلقد كان لها دوي عميق في نفوسهم الخاوية، وأفقدهم خالد عنصر المفاجأة بمكيدة سرايا الحجاب الامامية التي ناجزتهم حتى يفرغ المسلمون من صلاتهم.• لاقى المسلمون مصاعب شديدة وتراجعت بعض تشكيلاتهم واهتزت خطوط قتالهم وفتك بابناء قبيلة الازد اليمانية ولكنهم صمدوا وصبروا، ان افشال مخطط ماهان في حسم المعركة كان له الأثر المدمر في نفوس العدو، وارتفعت معنويات المسلمين رغم الاثخان فيهم.

• خلال النهار دعم خالد الميسرة والميمنة وثبت القلب (كانت هجمات ذات ضراوة وأشد قساوة من السابق)، كان هناك إبداع في اليوم الثاني حتى النساء أسهمن في امتصاص الهجمات واستيعابها وتبريد الاندفاعة الرومانية، كان هجوما رومانيا رهيبا لحسم المعركة ولكنه لم يحقق النتائح المرجوة.اليوم الثالث:• في الصباح الباكر قام ماهان الأرمني وابن قناطر الروسي باختراق خطوط المسلمين وفصل الجيش المسلم مابين الميمنة بقيادة عمرو بن العاص المقابل لابن

• قناطر وبين قلب الجيش الإسلامي بقيادة شرحبيل، الذي يقابله ماهان وتراجعت صفوف الفرقتين المسلمتين لأكثر من 600 خطوة، وهنا تدخلت فرسان خالد بن الوليد للالتفاف حول الهجوم الروماني الكاسح ما احدث ارتباكا في صفوفهم أدى إلى التراجع إلى الخطوط الأصلية . اليوم الرابع:• كادت هزيمة المسلمين أن تتحقق لعدة أسباب منها الخسائر الفادحة والانهاك الشديد والعدد الهائل لقوات العدو وتسليحها القوي وهياكلها النظامية واستماتتها في القتال وشدة الهجوم الصباحي الذي أدى إلى تراجع فرقة شرحبيل أمام جيش الأرمن المدعوم بأعداد هائلة من عرب الغساسنة أهل الارض الاصليين.• وحقق السلاف الروس في الميسرة تقدما ساحقا على فرقة عمرو بن العاس مرة أخرى، وظهرت علائم التعب والانهاك الشديد على جيش الإسلام ما اضطر خالد بن الوليد للتدخل لكي يرد الزحوف الرومية، كان عمرو بن العاص من دهاة العرب ولكنه يتردد في الحسم والروس استهدفوه بالهجمات المتوالية، وقام أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما معاذ بن جبل بمشاغلة الجيوش الرومية المقابلة لهما لتفويت فرصة اشتراكهم بالهجوم الشامل الحاسم ضد المسلمين، وتجلت مناورات خالد التكتيكية في وقف هجوم الأرمن والعرب، وتحقق تراجعهم بعد الظهر وبعد توقف الدعم عنهم انسحبوا إلى أماكنهم الأولى.

• وفي النصف الآخر من أرض المعركة تصدى الجيش الامبراطوري لللهجمة المعاكسة لأبي عبيدة وفرقة يزيد بن أبي سفيان وأطلقوا عليهم وابلا في إثر وابل من النبال التي كانت كالجراد (قيل 100 الف)، ما أدى إلى فقدان المئات لبصرهم فيما سمي “بيوم التعوير” والذي أفضى إلى تراجع جيش الإسلام إلى الخلف وممن ففقد بصره في هذا اليوم (أبو سفيان فقد عينه الثانية، فالأولى فقدت في حنين)، المغيرة بن شعبة، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، والاشتر النخعي، والاشعث بن قيس، وعمرو بن معد يكرب وقيس بن مكشوح، وكلهم من قادة المسلمين وبدت هزيمة المسلمين تلوح وهنا هتف عكرمة بن ابي جهل مناديا اهل الجهاد للتعاهد على الشهادة فلبى نداءه الفوري 400 ممن باعوا أنفسهم لله، فاندفعوا لإحداث الفرق في قلب الروم وهجوم الوسط فاستشهدوا جميعا بعدما أثخنوا في صفوف العدو، واستشهد عكرمة وولده وفاضت روحه على فخذ خالد بعدما زفوا إليه أنباء وقف الهجوم المعادي. اليوم الخامس:

• جنح الروم للملاينة والمهادنة والتوقف عن المواصلة، فالتقطها خالد لانتزاع المبادرة منهم والانتقال إلى استراتيجيتة الهجومية الشاملة بعدما نفذ العديد من الهجمات والضربات التكتيكية ضمن مناورات محدودة لانتزاع التوازن المطلوب لقطف ثمار الصمود الاسطوري لقواته التي صمدت لكل الهجمات الجبهوية وتصدت لكل الاختراقات الخطرة ومارست الهجومات المعاكسة ونفذت الهجمات الجانبية والالتفاف الخلفي والمناورات حول الاجنحة الرومية، فلقد تلخصت خطة خالد في انتهاج الدفاع اسلوبا لانهاك العدو وامتصاص اندفاعتة مع المسارعة لسد الثغرات وتلبية الاحتياجات، ترقبا لاغتنام الفرصة السانحة لانتزاع نصر شامل يعز به الإسلام.

• رفض خالد بن الوليد هدنة لثلاثة أيام ورد مرسال الروم وقام خالد بترميم صفوف الجيش الاسلامي وتقوية خطوط القتال وتفقد الكراديس وتهيئة الجميع للحسم النهائي، ورغم جراحات اليوم الربع وخسائرة الباهظة الا ان عيون خالد كانت تتطلع إلى النصر ولم يلتفت إلى الاصوات الخاضعة لمقتضيات الواقع. • من البداية كان المشهد واضحا لخالد: ” اننا ان رددناهم إلى الخندق ووقعوا فيه فلن يخرجوا أبدا، واذا فشلنا لن تقوم لنا قائمة”.

• صدر عن خالد بن الوليد قرارن مهمان أولهما: رفض وقف القتال عبر رفض الهدنة لثلاثة أيام والتي عرضها وفد ماهان الأرمني والتي فهم منها أن عزيمة الروم على القتال قد وهنت وعارض خالد كل الأصوات التي التي نادت بمراعاة ظروف المسلمين حيث الخسائر فاقت 3000 شهيد والجرحى أكثر من 28 الفا سوى فقد العيون في يوم التعوير، وهذه كلفة باهظة جدا على ابناء قريش ولكنها متطلبات النصرالذي يأتي ثمرة للتضحيات الكبيرة، وهنا اتخذ خالد بن الوليد قرارة الثاني بالتحول الاستراتيجي من الدفاع إلى الهجوم، وأجرى تغييرات قتالية كبيرة على التشكيلات العسكرية وحشد الخيالة معا دافعا وحدته السريعة إلى قلبها مستهدفا إختراق خيالة الروم لعزلهم عن المشاة والذين يشكلون لحمة الجيش الرومي، وتركهم بدون حماية ليسهل الفتك بهم ثم وجه لشن هجوم على ميسرة الروم لدفعهم باتجاه الجرف المنحدر حيث لامفر من كبكبتهم إلى حتوفهم فيه، فالهدف هو أن يكونوا مابين مطرقة خالد وسندان وادي الرقاد ليتحولوا إلى هباء منثور لكي لايعيقوا مسيرة الفتح لاحقا .اليوم السادس: • حتى اذا جاء اليوم المنتظر واللحظة الفارقة قال لهم العملاق خالد: “يا أهل الاسلام، لم يبق عند القوم من الجلد والقوة والقتال الا ما قد رأيتم، فالشدة الشدة، فوالذي نفسي بيده ليعطينكم الله الظفر عليهم الساعة”.

• تحول خالد من الدفاع إلى الهجوم ودشن هجومه المجازف على الروم باستخدام قوة الفرسان المتحركة والمتمركزة على تلة خالد للتقدم لحسم المعركة .

• في نفس الوقت بدأ أبو عبيدة ويزيد القتال من الجهة اليسرى ويسار الوسط للمسلمين وبعث خالد بن الوليد سرية خياله لمباغته الميمنة البيزنطية، وكلف سرية خياله أخرى بمهاجمة أقصى الميسرة البيزنطية ووضع الروم بين فكي كماشتة، أما عمرو بن العاص فتولى مهاجمة ما يقابله من الميسرة البيزنطية ذات اللون الروسي السلافي والتي صمدت لهجوم عمرو بن العاص وهجوم الخياله ولكنها ما لبثت إن تراجعت باتجاه الجيش الأرمني بقيادة ماهان الذي يتصدى بدورة لهجوم إسلامي من الامام، وهنا تحرك قائد الميمنة الإسلامية ليشن هجوما سريعا على الجانب الايسر من مقدمة جيش الروم وأمام توالي الهجمات وشدة الضغط الإسلامي من كل جانب اختل توازن الجيش الرومي وزاد في ارتباكه التراجع القهقري للجيش الروسي السلافي وانحيازهم إلى القلب بشكل غير منظم، وتم مباغتتهم بهجمة انطلقت من القلب الإسلامي على صميم القلب الروسي المنسحب فجائته الصدمة مباشرة من الامام وجها لوجة.• صلى المسلمون صلاتي الظهر والعصر ايماء اثناء القتال، وطلب اليهم ارجاء المغرب والعشاء لتصلى جمع تأخير بعد انجلاء غبار المعركة.

• تأزم الموقف في قلب الجيش المسيحي حيث انتقل تركيز الهجوم الثلاثي عليهم فعمرو يضغط من اليسار، وقوات شرحبيل تتقدم نحوهم من الامام، وخيول خالد تفل صفوفهم من الخلف، وترك ماهان يواجه زخم الهجوم الرئيس وحيدا منفردا، فالفرسان تم شل تأثيرهم، ويزيد تقدم نحو قوات الميمنة الرومانية وأشغلها عن نجدة ماهان ومجاميع الارمن معه في الوسط، والميمنة الرومانية ذاتها تتضعضعت منذ الصباح لان اباعبيدة وبعكس رغبة خالد(خشيةعليه) خرج لمبارزة القائد الجسور ثيودور فصرعه ثم ارتبكت صفوفهم.

• ولما لمعت الفرصة السانحة لخالد بتقهقر واختلال الجناح الأيسر ويسار الوسط للجيش المسيحي أوعز خالد لجميع الخياله للتوجه إلى ضربة قاصمة بعزل خيالة العدو عن المشاة ليسهل التعامل معهم، وعندها وجه بفتح ممر شمالي امام الخيالة لترك أرض المعركة، ومن فوره أدرك ماهان الخديعة وقدر خطورة التحول في المعركة فطلب من مجاميع الخيالة الرومية الاحتشاد خلف الجيش البيزنطي بهدف تنظيم هجوم معاكس ضد الخيالة الإسلامية، ولكن عقد الخيالة البيزنطية انفرط وأوامر ماهان الأرمني لم تصل بالسرعة الكافية، حيث بعثرت سرعة خالد بن الوليد بؤر تجمع الخياله المعادية، وهاجمهم بقوات الخياله الاحتياط من الجانبين ومن الخلف وتدخلت خيل قيس بن هبيرة فحرمهم من مناورات التجمع، ولم يكن امامهم الا الفرار إلى الامام باتجاه معسكر النساء المسلمات والانسحاب من ارض المعركة والتوجه شمالا إلى دمشق بصورة غير منظمة وبهروب فوضوي تاركين المشاة المصفدة لمصيرهم المحتوم، أما عربان جبله فهربوا على ابلهم وبعرانهم لانهم إنما قاتلوا من أجل الاستعفاء من الضرائب المفروضة في مواجهة رجال عقيدة ومبادئ ورسالة حرية وتحرير.

• واستغل خالد تشتت الفرسان فتحول إلى نواة الجيش المسيحي وهم الأرمن بقيادة ماهان فأنقض عليهم من الخلف، لقد كانت في الأرمن شدة وبسالة ودراية في الحرب وعقيدة قتالية يفتقدها الاخرون في الجيش البيزنطي ولكن الأرمن وقعوا وسط كماشة إسلامية ثلاثية:- فخالد وفرسانه من الخلف وعمرو بن العاص من اليسار وشرحبيل من الامام وفي وسطهم خذلان الروس المتراجعين مع فقد إسناد الخيالة الذين انسحبوا شمالا إلى دمشق، فسلم الأرمن مصيرهم للهزيمة وبهزيمتهم حلت الهزيمة النكراء لمجمل الجيوش الأوروبية الأخرى التي فرّ بعضها مرعوبا، وتراجع بعضها نظاميا باتجاه وادي الرقاد المجاور وعند وصول الهاربين إلى حافة النهر وجدوا كتيبة خيالة أحد مساعدي خالد وهو ضرار بن الأزور في انتظارهم لاصطيادهم منذ الليلة السابقة، وقد تمكنوا من إغلاق منافذ المخرج الوحيد والمضيق الذي لايتعدى عرضه نصف كيلومتر.• وفي ذروة حيرة الروم تقدم فرسان خالد من الشمال ومشاة المسلمين من الشرق وفرسان ضرار على المعبر، فما كان أمام الروم إلا الانتحار عبر القفز من الجرف إلى الهاوية فاللهيب من امامهم ومن شمالهم ومن شرقهم، هربوا على عجل فركب بعضهم بعضا وهم يتقهقرون حتى تزاحموا في زاوية انتهوا اليها وهي مشرفة على هاوية سحيقة تحتهم، فأخذوا يتساقطون فيها ولايبصرون ما تحت أرجلهم بعدما حل الليل، والضباب يلف المكان فليس عند آخرهم خبر أولهم فكبكبوا تباعا، فسميت تلك الهاوية ” الواقوصة ” وهو اسمها إلى اليوم، ومنئذ لم يدخل ساحة اليرموك رومي الا خائفا

.• كان السلاح في أيديهم والدروع تحمي أجسادهم والسلاسل في أرجلهم لكنهم فقدوا الأمل في النجاة التي كانت كل مطلبهم في نهاية المعركة، كان بعضهم يهوي في الخندق ولا يدري المنهزمون ماحل بمن سبقهم فيلحقون بهم إلى حتوفهم، والمدهش انه اذا انزلق جندي من المتسربلين سحب معه جميع عشرية السلسة من المربوطين، فمن لم يرابط للقتال مؤمنا به لن تربطه سلاسل الحديد.

• بقي ماهان وحيدا منفردا ومعه بقايا فلول، يواجه الهجمات تلو الهجمات من خالد الذي صمم على حسم المعركة بالضربة القاضية، التي تهيأت ظروفها وحان أوانها، ابدا لم تنفع شجاعة ماهان ولا صلابة الأرمن امام سطوة خالد فأنكسروا، وبكسرتهم تلاشت قوة الجيش الامبراطوري كاملا، فالقيادة فقدت زمام السيطرة والقطاعات تفرقت، وأغلب الوحدات تسابقت للفرار مرعوبة باتجاه الجسر على المعبر الضيق الذي كانت فيه نهاية عشرات الالوف منهم.

• عقب معركة اليرموك:• فور انتهاء المعركة وضع خالد نفسة تحت امرة ابي عبيدة القائد العام للمسلمين، واستأذنه لمتابعة الفارين من الروم الذين اشتدت خيلهم في الصحراء كي لايحتموا بأسوار دمشق وليمنعهم من التحصن فيها.• لم ينم خالد دقيقة واحدة بل سارع بفرسانه خلف ماهان والارمن، وأدرك فلولهم قبل دمشق فالتحم معهم وقتل أحد المجاهدين ماهان، وبذك انتهت المعركة تماما، واسدل الستار على الجيش المعادي، وكتبت صفحة الجلاء الروماني عن دمشق العربية والشام الشريف وإلى الأبد

.• وصلت الأخبار إلى هرقل فغادر انطاكية، ثم سافرعلى متن سفينة إلى القسطنطينة، وقال مقولتة المعروفة: ” وداعا يا سورية، يا ولايتي الجميلة أنت درة العدو الكافر الآن، فلتنعمي بالسلام يا سورية….”.

• وقام خالد بدخول دمشق وأما البواقي من المنهزمين في وادي اليرموك فتعامل معهم المشاة المسلمون، وابتلع وادي اليرموك والرقاد جثث عشرات الالوف من الجيش الروماني العرمرمي سواء المسربلين او المطلوقين. • كلف يزيد بامارة دمشق وقام بفتح صور وصيدا وبيروت، وخلفه معاوية الذي أسس اسطولا فتح به طرابلس وقبرص وغزا القسطنطينية، التي دفن الصحابي أبو أيوب الأنصاري على أسوارها.

• وانفتحت بهذا النصر عموم الشام، وبعض الاناضول والقفقاس أمام الإسلام، ففتح المسلمون باكو عاصمة أذربيجان 18 هـ، وفتحوا (دربند) في داغستان، إلى أن اجتاحوا تفليس Tblisi عاصمة جورجيا وفتحوا أرمينيا نفسها عام 638م، وفتحت بيت المقدس ذراعيها لعمر بن الخطاب، وتوجه عمرو بن العاص إلى مصر ليفتحها بثلاثة آلاف مجاهد ولينشر راية العدل التي بددت مظالم الرومان التي طالت واستطالت على مصر، ومن الشام انطلقت مسيرة الفتح الاسلامي لزوايا الكون . سعود أبو محفوظ.2/10/2022م.الزرقاء – الأردن

اكتب تعليقك على المقال :