مصادر الخيال الأدبي (1)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : عباس مناصرة

“بدايات ومؤثرات”                                              
(1)تاريخ آدم عليه السلام في الملأ الاعلى
 ما هي قصة وجودنا وحكاية خلقنا؟! نعم من هنا كانت البداية (إني جاعل في الأرض خليفة)، لنتابع ذلك من خلال آيات الله الكريمة في كتابه العظيم التي فصلت لنا ذلك:
 قال تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها،  ويخرجكم   إخراجا) (1) ، وقوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخركم تارة أخرى)(2).
وهذا العلم إخبار عن مصدر طينه آدم عليه السلام، ثم أعلم الله الملائكة بخبر خلق آدم.
 قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون)(3). 
ثم خلق الله آدم وعلمه الأسماء كلها، ورفع مقامه وقدراته في العلم والتعلم المباشر من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: *(وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهُم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون)(4).
وبعد أن أكرم الله آدم بالخلق القويم، وعلمه من العلم ما ينفعه ويجعله قادراً على التميز، أرادت حكمه الله سبحانه أن تكشف أمرا مكتوما في نفس إبليس، فجاء أمر الله للملائكة بتكريم آدم والسجود له، وهو سجود طاعة لأمر الله، يكشف غيظ إبليس وحسده لآدم حين رفض السجود، وأعماه حسده لآدم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، والخضوع لأمره   *(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)(5)، وجاء أمر الله سبحانه وتعالى إلى آدم بالسكن في الجنة، وحذره من عداوة الشيطان، وطلب منه الامتناع عن الأكل من شجرة محددة، فأزله الشيطان فأكل من الشجرة، ووقع فيما حذره الله منه، *(وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكُلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه)(6)، وقع آدم في الخطأ، وندم على ما حصل منه، وتاب إلى الله فتاب الله عليه، وجاء أمر الله بخروج آدم من الجنة، ونزوله إلى الأرض، وبذلك انتهى تاريخ آدم في الملأ الأعلى.

(2) تاريخ آدم عليه السلام في الأرض 
بداية التاريخ بـ(الإنسان  النبي)

 وهكذا انتهت تلك المرحلة، ليبدأ آدم وزوجه وذريته تاريخاً جديداً على الأرض يحقق فيه خلافته في إعمارها قال تعالى: 
*(وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)(7). 
*(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم)(8) 
*(إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، وإن من أمه إلا خلا فيها نذير) (9).
*(قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(10).
 وعندما قضى الله أمره بهبوط آدم وزوجه عليهما السلام إلى الأرض، كان ذلك إيذانا ببدء التاريخ البشري على وجه هذه الأرض، ومع قدوم هذا الضيف الكريم التائب أبو البشرية (آدم وزوجته عليهما السلام)، حيث أُخرجا من الجنة وعالم الخلود والسرمدية، وأُهبطا إلى عالم الزمان والمكان في الأرض، حيث جعل الله منها موطنا مؤقتا لآدم وذريته قال تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)(11)، وبذلك أصبح الجنس البشري أسيراً (للسنن الكونية) التي تحكم الأرض ومؤثرات الحياة عليها، بعد أن حُجبا عن (عالم الجَنّة)، وطنهم الأول، وهكذا التقت في حياة آدم عليه السلام وعقله تجربتان من عالمَيْن مختلفين، هما: تجربته في (عالم الغيب)، حيث التعليم والتكريم والاختبار والجنة والإغواء من الشيطان والخطأ والتوبة وقبولها وصدور الأمر بهبوطه إلى (عالم الشهادة)، ليكون هو وذريته خلفاء في الأرض. 
نبحث عن بداية التاريخ على وجه الأرض لأهميته في تفسير الحياة، وكيف بَدأ الخلق، وهو أمر رباني للإنسان، بالبحث عن بداية التاريخ لقوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير) (11) 
(3) وبهذا تكون مصادر العلم عند آدم وذريته محصورة في علمين هامين هما :
1. (علم الوحي عن عالم الغيب .)
2. (علم العقل عن عالم الشهادة .)

1- العلم الأول (علم الوحي)
وهو العلم المنقول من الله سبحانه وتعالى، بوساطة الأنبياء والرسل الكرام إلى الناس، وكان آدم عليه السلام هو النبي والرسول الأول لذريته، وكانت وظيفتهُ وظيفةُ الأنبياء من ذريته من بعده إلى يوم الدين، هي تبصير الناس وتعليمهم في القضايا التي يعجز العقل البشري في البت بها، لأنه لا يملك عنها علماً، كالمعرفة بحكمة وجودنا في الحياة، ومقصد وجودنا منها، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى على علم منه ومن رسله، وتحديد العَلاقة بين الخالق والمخلوق بعيدا عن أهواء البشر، وبما يريده الله من العبادة ويرضاه منهم، ثم علاقة الخلق ببعضهم، وتعليم كيفيات العبادات والطاعات التي يريدها الله من الخلق، من خلال حقائق الوحي وأمره، ولهذا جاء الأنبياء ليعلموا الناس حقوق الله على العباد، وحق العباد على الله، والتشريع للحياة بما أحل الله لهم أو حرم عليهم، وضبط الحياة بموازين العدل والقسط والشريعة بما يرضي الله، ويحفظ نظامها الخاضع لأمره، وحماية الناس من الفوضى، وتضارب العقول والأهواء، وتفسير الحياة، والإجابة على الأسئلة الكبرى التي تقلق الجنس البشري، ومنها السؤال الكبير الأكبر الذي يعيشه ويردده الجنس البشري من كل جيل من الأجيال، لماذا جئنا إلى هذه الحياة؟ ومن أوجدنا فيها؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ 
ونلاحظ أن وظيفة العقل البشري في هذا العلم هي في استيعاب وفهم وفقه الأمر الرباني ومقاصده، والاجتهاد لذلك بأقصى درجات الاستطاعة، ودون تحريف أو حذف أو زيادة في ذلك، كما وردت في مصادرها من (رسالة الوحي لأنبياء الله)، وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بإرسال الرسل الهداة إلى جميع الأجيال البشرية في القضايا التي لا يملك العقل البشري عنها علماً، لأن العقل البشري لا يملك علما عن عالم الغيب، إلا ما يتلقاه من علم الوحي والأنبياء، ومن خلال المقدمات والنتائج التي يفهمها العقل من نصوص الوحي المنقولة، واستخراج الفقه بشروطها وضوابطها الفقهية، ومن المصطلحات التي تطلق على هذا العلم (علم الوحي)، ومنها ما اشتهر عند العلماء (علم المنقول أو علم النقل) أو (علم الكتاب المسطور)، ويمثله في الرسالة الخاتمة للبشرية (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة).

2- العلم الثاني (علم العقل لعالم الشهادة)
وهو العلم الذي وكل الله سبحانه وتعالى فيه العقل البشرى مهمة اكتشاف سننه وموازينه في الواقع الأرضي والحياة، والبحث عن سبيل العيش وتيسيرها، لأعمار الأرض وتسهيل خلافة الإنسان فيها، وذلك من خلال اكتشاف السنن والقوانين التي تحكمها، حيث يقوم (العقل البشري) الذي زوده الله بالطاقات الهائلة التي تمكنه من التعرف على (عالم الشهادة) من خلال (الحواس الخمس) التي تجمع له المعلومات، و(الدماغ )الذي يحللها و يحاكمها ويفهمها ويتأكد من قوانينها وحقائقها، و(القلب) الذي يدرك قيمتها وأثرها وخطرها، ووجه المصلحة للإنسان فيها، حتى يتمكن العقل من تنزيل علوم الوحي وأوامره في المقام السليم من تعمير الحياة مرتبطاً في ذلك بٍنِيّة العبادة والطاعة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويدرك هذا العقل أن (الدنيا مزرعة الآخرة)، وعليه أن يحسن العمل في هذه المزرعة حتى يحصل على الثمار الطيبة منها في الآخرة، التي هي مقصد وجودنا في هذه الدنيا.
وعلى العقل أيضا أن يدرك أن من وظائفه أن يتعرف أيضا على عظمة الله من خلال عظمة إبداعه في خلقه ومخلوقاته المبثوثة في آفاق السماوات والأرض، ليتعلم فضل الله عليه، ويتعلم شكر الله على نِعمِه بعد إدراكها والإقرار بها.
والملاحِظ يدرك أن العقل البشري يتعلم من سنن الله وقوانينه التي غرسها في خلقه، ويحولها إلى نِعم ومكتشفات ومخترعات، تُيَسر حياته وحضارته وخلافته على الأرض، وذلك حين تَعلم صناعة (الطيران من الطيور)، (والسفينة من الأسماك)،  (والرادار من الخفاش)، (والإذاعة من طبقات الجو)، (والكمبيوتر من الدماغ البشري)، (ومكبر الأصوات من الأذن)، (وآلة التصوير من العين)، (والطائرة العمودية من البعوضة)، إلى آخر هذه المخترعات التي لا حصر لها، وبذلك يدرك الحقيقة ويعرف أن مصدر العلم هو من عند الله سبحانه وتعالى، فالله يعلمنا من علمه إما بكلامه وعلمه المباشر من طريق (علم الوحي)، أو من علمه الذي أودعه في مخلوقاته في السماوات والأرض، وفي أرجاء الكون من طريق (علم العقل)، وتوظيفه في خدمة الإنسان، ويسمى هذا العلم المدرك عن طريق العقل في ما اشتهر من مصطلحات العلماء (بعلم العقل أو علم المعقول أو علم الكتاب المنظور)، لأنهم شبهوا الكون والمخلوقات بالكتاب المفتوح للتعلم أَمام حواس الإنسان وعقله، قال تعالى: (أولم يرى الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سَقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون)(13).
  وقد أشاد أحد الشعراء في تفاعله مع هذا المشهد الكوني العظيم الذي رسمته الآيات الكريمة بقوله: 

فذا الكون جامعة الجامعات  وذا الدهر أستاذها المعتبر(17)

(4) مصطلح الواقعية الإسلامية
الأرض هي الوطن (المنفى) والمؤقت للجنس البشري، وذلك بعد نزول آدم عليه السلام وزوجه إليها، وتكاثر ذريته فيها وانتشارها في الأرجاء، وهي مزرعة الآخرة، ومجال اختبار أفعاله، التي تؤهله للعودة إلى وطنه الأصلي (الجنة)، ومن هنا ندرك ونتفهم الواقعية التي تعلم الإنسان أن يعيش على الأرض التي يدركها بحواسه، وهو يعلم في ذات الوقت أن هذا الواقع الملموس له جذور ممتدة، ومغرقه في عالم الغيب، و أن إنكار (عالم الغيب) هو نوع من ممارسه الغباء المنهجي، والعمى الفكري، ووهم الذات الذي يغذيه العناد الأجوف، وأن الواقع المتحقق حقا وفعلا ووجودا هو (عالم الشهادة وعالم الغيب الذي يختبئ وراء)، لأن (الواقع الحسي) أشبه برأس جبل الجليد، والغيب المخفي أشبه ببقية جبل الجليد الضخم الذي يغمره ماء البحر، أو هو أشبه بالشجرة جذورها المخفية في باطن الأرض، تشبه (عالم الغيب)، وساقها وثمارها وأغصانها تشبه (عالم الشهادة)، ولهذا فالواقعية في المفهوم الإسلامي تقوم على وصف حاله التجاذب والترابط بين المرئي والمخفي في فهم مصطلح (الغيب والشهادة)، دون فصل أحدهما عن الآخر وتأصيل الاعتراف بالحقيقة الكاملة للوجود من (الشهادة والغيب).
وأن ندرك أن الشرط الموضوعي الأول: لهذه الواقعية يقوم على عدم القفز عن قطبي المعادلة، لأن (القطب الأول عالم الشهادة) هو الذي يشكل البوابة العظيمة التي ندخل منها  إلى (القطب الثاني عالم الغيب)، وذلك بحكم الخضوع لحقائق الواقعية، ومنها إحساس الحواس، وارتباطها بعالم الشهادة أولا، واكتشافها وتعرفها على (عالم الغيب) يأتي بعد تعرفها على (عالم الشهادة) تاليا وثانيا، فالدنيا مزرعة الآخرة، ومن ضيع مزرعته ضيع آخرته، وآيات القرآن الكريم تعلمنا أن الإنسان لا يعيش معلقاً بين السماء والأرض، بل هو ابن الأرض ومن طينتها خُلق، قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكفِ بربك أنه على كل شيء شهيد)(14).
فسطح هذه الأرض هو مستقر هذا الإنسان، وهي مَرْساه، وموطئ قدمه، ومكان خلافته، وإشباع حاجاته ورزقه، وهي التي تستثير عقله ورغباته للتطور، وتتحرش به للاستجابة، ومنها يتعلم التفكير والاكتشاف والاختراع والتجريب، وفيها يدرك نعم الله حين  سخر له المخلوقات، وذللّها لخدمته، وهذه الأرض دليلهُ إلى معرفة الخالق، وإدراك عظمته من خلال التفكير في مخلوقاته، ومنها يطل على السماء، فيستشرف عظمة عالم الغيب، فيها خلق وعليها درج، وإلى باطنها يعود، ومنها يبعث قال تعالى: (فيها تحيَون وفيها تموتون ومنها تُبعثون)(15). وهو محكوم بقوانين الزمان والمكان، والسنن التي تحكمها. وهذا الإنسان بدون الواقع الأرضي هو أشبه بآلة خُلقت لعدم الاستعمال تكون نهايتها الاندثار.

(٥) علم الوحي يعلمنا الواقعية والتوحيد
من هذه الأرض بدأ التاريخ البشري، وهذه حقيقة الواقع الأرضي، كما عرَفها آدم عليه السلام وزوجه يوم نزولهم من عالم الغيب (من الجنة)، ويوم غادرها وهو يحمل وعد الله سبحانه بإرسال الأنبياء والرسل الهداة لذريته على الأرض من بعد، وكذلك عرفها الأنبياء والرسل وأتباعهم من بعدهم، حتى انتهى ميراث النبوة وعلمها إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، والى أمته من بعده، لأن رسالته خاتمه لكافة للناس ولكل الأجيال إلى يوم الدين، ولذلك ولد العقل المسلم منذ اليوم الأول لنزول آدم إلى الأرض، عقلا راشد مميزا متصلا بالله، ينظر إلى المخلوقات من حوله نظره تقدير، ويأنس بها، لأنه يعتبرها من نعم الله التي سخرها له لخدمته، وتيسير خلافته على الأرض، وهو يرى أن هذه المخلوقات تشاركه العبودية والطاعة لله سبحانه وتعالى، ولذلك لم يقع يوما في عبادتها، ولم يخف منها، ولم تختلط عليه الأمور لوضوح عقيدته في توحيد الله وعبادته وطاعته، ولأن العقل المسلم ولد موحدا، لم يقع في الحالة المرضية التي تقدس قوى الطبيعة، وتعبدها وتصنع لها الآلهة، لأنها تجهل هذه الأشياء وتخاف منها.
ومن عهد آدم عليه السلام إلى آخر موحد على هذه الأرض يعيش عقل المؤمنين بالله مدركا لحقائق الواقع، بكل موضوعية ووضوح، ودون لبس، وهو يدرك أن هذه المخلوقات تعبد الله وتشاركه العبادة، ولم يتوهم يوما ما أنها قوى خارقه يحتاج إلى أن يتقرب إليها، أو أن يخاف منها، لأنه يعرف خالقها ويعبده، ويحتمي به من شرها، ومن شر ما خلق، لأنه يدرك حقائق الحياة على هذه الأرض ويحترمها، وهذه الأرض مركز خلافته ومختبر نوايا ومزرعته للآخرة.
هذه الواقعية تَعلمها المسلم من كتاب الله، ليطل منها وبها على (عالم الغيب)، ويتأمل الكون والمخلوقات من خلال (علم الوحي) و(علم العقل)، عن حقائق الحياة المادية، هذه الواقعية التي تستند إلى قاعدة راسخة في العلم والمعرفة تقول: 
أن الكون وما فيه من خلق الله، والوحي وعلومه وكلام الله وكتابه، والعقل هو ميزان الله في هذه الأرض، ولن تتصادم (حقائق الكون) مع (حقائق الوحي) داخل هذا الميزان (العقل)، لأنهما من مصدر واحد هو الله سبحانه وتعالى، إلا إذا وقع هذا (الميزان) تحت تأثير الهوى والمصالح ونقص العلم الدقيق بحقائق (علم الوحي)، أو بحقائق (علم الكون)، والعقل هو القوه المدركة (لعلم الوحي ولعلم الكون والحياة)، و(علم الوحي) هو دليل هذا العقل ومنهاجه في توظيف طاقات هذه القوة المدركة، واستثمارها فيما يفيد، وهو أي (الوحي) الذي يحمي قوه (العقل) من التبدد والتخبط فيما لا ينفع، وذلك حين يضع لهذا العقل (محاور الهداية) التي يسير عليها، فيحميه من الضلال، ويضيء له طريق التفكير السليم والسلوك القويم، هذا هو (العقل المتصل) عقل الإنسان المسلم، وذلك هو العقل الذي أنس بالمخلوقات، وأدرك أنها من نعم الله الكثيرة التي سخرها لخدمته، وتيسير عيشه على هذه الأرض، وهو يدرك أن هذه المخلوقات تشاركه الطاعة والعبادة لله سبحانه وتعالى، لذلك لم يخف منها ولم يصنع معها علاقة الصراع والعداوة، ولا عبدها ولا خضع لها، بل استثمرها واستفاد منها في حدود ما سمحت له خبرته، ولم يقع فيما وقع فيه (العقل المنفصل) عن طاعة الله حين نَظر إلى الأشياء من حوله فخاف منها وتقرب إليها وعبدها أو هرب منها أو صنع معها علاقة الصراع واعتبرها عدوة له لأنه يجهلها، ولا يملك العلم عنها بينما كان العقل المسلم يقول للكائنات من حوله ربي وربك الله.
إما (الشرط الموضوعي الثاني): لهذه الواقعية فهو التأكيد على القطب الثاني للواقعية الإسلامية، ألا وهو (عالم الغيب)، الذي يشكل البعد الثاني الحقيقي العميق لهذه الواقعية، حتى تكتمل صوره الواقعية الإسلامية بشقيها وقطبيها (الشهادة والغيب)، لأننا نخالف الواقعية المادية العوراء التي لا تعترف بعالم الغيب وتتجاهله بل واشتطت في إنكاره، حتى أوصلها عماها المنهجي إلى فرضية تعريفها للعلم على منظمة دولية (كاليونيسكو)، التي يفترض أنها تمثل بحياد الثقافة الإنسانية بكامل أطيافها، ولكنها بذلك تثبت انحيازها لثقافة (العقل المنفصل)، بل وتكشف خضوعها لثقافة هذا العقل وسيطرته عليها، حين تبنت هذا التعريف للعلم ونص التعريف يقول: (العلم كل معلوم تم علمه عن طريق الحس أو التجربة)(16)، وهذا يتناقض مع تعريف العلم في المفهوم الإسلامي الذي يقول نصه: (هو كل علم تم أخذه عن طريق الوحي أو الحس أو التجربة)(17). لأن علم الإنسان مرتبط بقدرة الحواس الخمس التي لا تدرك إلا من خلال (درجات محدودة)، ولذلك فليس من العلم ولا من الحق إنكار العوالم الغائبة عن قدره الحواس، سواء كانت فوق درجات هذه القدرة أو تحت درجات هذه القدرة.
ونلاحظ أن القرآن الكريم يشبه علم الحواس عند الإنسان ومحدوديته بغطاء الغواص، إذا رفع عنه تكشف له ما كان غائبا عنه، قال تعالى عن منكر الغيب عندما يموت ويرى ما حجب عنه من عالم الغيب في دنياه: (لقد كُنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)(18). فغطاء الغواص يمنحه القدرة على الرؤية في الماء وكذلك الحواس الخمس تمنح الإنسان رؤيته للدنيا فقط، وهي أيضا مصممة لذلك فقط من خلال درجات قدرتها، ولكنها محجوبة عن عالم الغيب وحقائقه بتلك الدرجات التي خلقت عليها، فهي لا تستطيع أن تدرك (ما تحت هذه الدرجة ولا ما فوقها) لأنها مرهونة بهذه القدرة.
ولذلك فالواقعية الإسلامية تعتبر عالم الشهادة بوابة وعتبة ندخل منها إلى علم عالم الغيب، وبذلك نجمع من علم الله ما عُلمنا عن طريق (الوحي والأنبياء) صلوات الله وسلامه عليهم، وما يعلمنا الله من مخلوقاته مما أودع فيها من سن وقوانين عن طريق فقه (عقولنا)، أو عن طريق اكتشافها للكون والحياة عبر تراكم تجاربنا فيها.
هذه هي الواقعية الإسلامية، إنها واقعية مبصرة حقيقية متوازنة، ليست عمياء ولا عوراء، لأنها تؤمن (بالواقع القريب) المكشوف الذي يقع في متناول الحواس، وتؤمن (بالغيب الممكن) الذي يمكن أن يتحول إلى واقع إذا تقدم عقل الإنسان وحواسه في صناعه الأدوات المساعدة التي تمكنه من اكتشاف الظواهر المحيطة به، لأنها تزيد من قدرة الحواس وتُيسر لها متابعة هذه الظواهر، وتؤمن  هذه الواقعية (بالغيب المغلق) الذي لا علم لنا عنه إلا ما علمنا الله إياه عن طريق (الوحي والأنبياء)، قال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) (19).

(6) مراحل علم الإنسان وتكوينها في عقله
يتطور علم الإنسان في اكتشاف الحياة والأشياء والكائنات، واستيعاب العلوم والثقافات وتفاصيلها بعد أن يمر في مراحل مختلفة من التطور، وتحت ضغط الحاجة والمعاناة والتجريب حتى يصل إلى حقائقها، ويجنى ثمارها وفوائدها وقد أشار المفكر الإسلامي الكبير مالك بن نبي -رحمه الله- إلى هذه المراحل بشكل مقتضب في كتابه الشهير    (مشكله الثقافة) (20).
 ومن المفيد لهذا البحث أن نتناول هذه المراحل بشيء من التفصيل المفيد الذي يخدم فكرته ويوضح فوائده، ضمن المراحل والتقسيمات التالية بهدف تيسيره وجلاء منهجه والاستفادة منه:

١. المرحلة الأولى (المرحلة الحضورية): 
 وهي المرحلة التي تكون فيها الظواهر والأشياء والمخلوقات والحقائق والعلوم والثقافات موجودة وحاضره في خلق الله سبحانه وتعالى، ولكنها غير واقعة ولا معلومة لدى عقولنا و حواسنا وتجربتنا وشعورنا، لأننا نجهل وجودها وليس لدينا علم عنها ولا بها، لأن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك حقائق عالم الشهادة دفعة واحدة، فكيف بحقائق عالم الغيب البعيدة عن مجال حواسه وعقله، وحتى لا نبتعد كثيرا عن أمثله (الغيب المؤقت) الذي يمكن تحوله إلى واقع وعلم شهادة، لأنه يخضع لتطور وتجربة الإنسان في التعرف على الأشياء واكتشافها، وخير مثال على ذلك اكتشاف الزمن، وضبطه بصناعة الساعة، واكتشاف الظاهرة الكهربائية، والتعرف على وجودها والقوانين التي تحكمها، واكتشاف الجراثيم وفوائد ذلك للحياة الإنسانية، واكتشاف الأمريكيتين والعالم الجديد، وتعميره بالهجرة إليها، واكتشاف طبقات الجو وموجات الراديو وغيرها من المكتشفات، فكل هذه المكتشفات كانت حاضره في خلق الله، ولكنها لم تقع في مجال حواس الإنسان وعقله وعلمه، وجاء اكتشافه لها في فترات متأخرة، فالجراثيم مثلا كان اكتشافها محكوما بتطور العلم البشري، ومنذ اكتشاف الحسن بن الهيثم للعين والعدسات وتشريحها، ومعرفة أجزائها ووظائفها ثم مجيئ باستور الفرنسي وتطويره للعدسات، حيث وقعت هذه المخلوقات الصغيرة (الجراثيم) ضمن مجال علم الإنسان، فعلم بوجودها ولذلك سميت المرحلة التالية بمرحله الوجودية، لأنها علم بوجودها بعد أن كان لا يعلم عنها شيئا.

2. المرحلة الثانية (المرحلة الوجودية):
 وهي المرحلة التي وصل فيها علم الإنسان إلى العلم بوجود الظواهر والأشياء، لأنها وقعت ضمن مجال العقل وحواسه وأول ما علم بوجودها وتمثلت في شعوره يطلق عليها أسماء، لأن تسمية الأشياء يعني بداية علمنا بها وميلادها في وعينا وشعورنا، وهو إيذان ببداية البحث عنها والاهتمام بها، لتعميق العلم عنها وبحث وشائجها بمحيطنا وفائدتها لنا أو خطرها علينا، وهذه التسمية تعتبر بداية الاعتراف بوجود هذه الظاهرة، واندفاع الإنسان بحب الاستطلاع والمتابعة لها، وإذا انكشف له وجه المصلحة فيها ازداد إلحاحا في البحث عن تفاصيلها وجمع المعلومات المفيدة له عنها.

٣. المرحلة الثالثة (المرحلة التجريبية):
 وفي هذه المرحلة لا يكتفي الإنسان بإطلاق الاسم على الظواهر الجديدة المكتشفة وجمع المعلومات، عنها بل ينطلق إلى البحث في التفاصيل، ومعرفة العَلاقات المرتبطة بتلك الظواهر المبحوث عنها، ومن هذه الظواهر مثلا ظاهرة الكهرباء، وظاهرة المخلوقات الدقيقة (الجراثيم)، وظاهرة طبقات الجو، وموجات الراديو، بل انتقل بهذه الظواهر والأشياء إلى مرحله البحث والملاحظة والتفحص لمكوناتها، حتى يتمكن من معرفة ومتابعة التفاصيل والقوانين التي تحكمها وتضبطها، والتعرف على إمكانية الاستفادة منها لحياته، حيث تم التعرف على (الجراثيم) وأنواعها وأطوارها ونموها وأشكالها ومنافعها ومضارها وطرق القضاء عليها، ثم تم توظيف هذا العلم في خدمه الإنسان وحمايته من مضارها، وكذلك الكهرباء وقوانين التحكم بها، وتوليدها والاستفادة منها في الإضاءة والحياة، وتشغيل المصانع، وكذلك اكتشاف القارات الجديدة والتعرف على مواقعها وخيراتها، والانتقال إلى السكن فيها، ومثله اكتشاف أبو الحسن المراكشي لعنصر الزمن، وما وقع في نفسه ومجال شعورهم في التعرف على ضبطه وقياسه، وتقسيم دوران الأرض بين الشرق والغرب والليل والنهار إلي 24 قسماً، وسماه الساعة، ويمكن تعميم الأمر كذلك في فهم علوم الوحي، وفقهها والغوص فيها بعمق، لفهم أوامر الله سبحانه وتعالى في العقيدة والعبادات والتشريع والقيم والسلوك، حين انتقل العلماء من حضور المعلومات في المرجعية، إلى تفاصيل فقهها وإدراك وجه المصالح الشرعية فيها خدمة للدين وحفظاً للإسلام والمسلمين.

٤. المرحلة الرابعة (المرحلة العلمية):
 وهي المرحلة التي يصل فيها الإنسان إلى اكتمال المتابعة والتجريب والاكتشاف للقوانين والسنن المضطردة والعلاقات التي جعلتنا نتعرف عليها، والتطبيقات التي تحكم هذه الظواهر، واستطعنا فيها بعد تكرار التجارب التي أكدت لنا صحة النتائج التي توصلنا لها، وبذلك وصلنا إلى خلاصة العلم، من خلال معرفة القوانين العلمية التي تمكننا من توظيف هذه الاكتشافات في مخترعات مفيدة ونافعة لنا، مبنية على أصول علمية مؤكدة أو فقه مؤكد لأصول ديننا.

٥. المرحلة الخامسة (اكتشاف فوائد هذه المنهجية):
هذا المنهج هو خلاصة الواقعية الإسلامية المبصرة، التي تعلم الإنسان التواضع في العلم، والخضوع لحقائق الحياة، ولا يتعلم المكابرة فينكر(عالم الغيب)، لأن ما غاب عنا وعن حواسنا وعقولنا هو الكثير، وما انكشف لنا منه (عالم الحضور) الغائب عنا، هو أقل القليل، ولا نكون كالنملة الذي أنكرت ضخامة الجبل لأنها لا تراه، وبهذا يدرك الإنسان أنه يسبح في بحر من الحضور الغائب، والخلق والسنن التي لا ندركها، فلنتعلم التواضع ولا نقع في ما وقع فيه الملاحدة الذين أنكروا (الغيب وعالمه)، ونحن لا نعلم عن سبب هذا الاستعجال في إغلاق باب العلم وقصره على (عالم الشهادة)، وما يقع في متناول الحواس، أهو الزهد في العلم والبحث عن الحقيقة، أم الكسل والركون إلى الراحة، أم هو عمى البصر والبصيرة، والاكتفاء بالدنيا بوظيفة الطعام والشراب، وانتظار الموت التي يشاركنا فيها الحيوان والنبات هذه الوظائف؟!
بل والأغرب من ذلك أن تتبنى منظمه اليونسكو تسويق هذا التعريف، الذي يقصر العلم على (ما جاء عن طريق الحس والتجربة)، هذا التعريف الذي ينكر علم الغيب والوحي والأنبياء والأديان السماوية، لدفع البشرية إلى هذا الكفر القائم على تمجيد الجهل، وإنكار عالم الغيب والحضور، وفي أحسن الاعتبارات العلمانية التي تعتبر الدين موضوعا شخصيا غير ملزم للدولة ولا للمجتمع، بل هو متروك لحرية الأفراد في أحسن الأحوال إن الإنسان لظلوم جهول.
والمنهج الإسلامي يعلمنا الاعتراف لله بالفضل والمنة، حين أوجدنا من العدم وعلمنا    (علّم الإنسان ما لم يعلم) علمه من علم الوحي، وعلمه من سننه وقوانينه في خلقه المبثوث في السماوات والأرض، ومن خلال جهود عقله في اكتشاف حقائق هذا الكون والمخلوقات.
هذا هو العقل المتصل، وهذا هو منهجه الذي ظل متصلاً بالله وبعلم الوحي، يتلقى الهداية من الأنبياء، من آدم عليه السلام وأجيال المؤمنين من أتباعهم، حتى انتهى ميراث علم النبوة، إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده، لأنها تحمل الرسالة الخاتمة للناس كافة، وفي جميع أجيالها إلى يوم الدين، من خلال مرجعية ثابتة لم يستطيع الزمان أن يلعب بها أو يحرفها، إنها مرجعية محمية من مُنزِّل الكتاب سبحانه وتعالى، متمثلة في (القرآن الكريم والسنة الشريفة) (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(21).
ويؤمن هذا العقل المسلم المتصل بالوحي بمحاور الهداية ويلتزم بها ويخضع لها، وبذلك يتعلم (الحكمة)، التي هي منهجه لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه منهجا بهذه المحاور، وضوابط تحميه من الهوى، ويعلمه الحكمة والاتزان، ولذلك فهو يرفض (منهج الفلسفة) الذي يتبعه (العقل المنفصل)، الذي اختار الانفصال عن الدين والتلقي من الوحي، واختار حريته وفضلها واعتبرها دينه، فأوكله الله تعالى إلى (فلسفته) وذاته، يفكر ويتخبط كما يشاء، ليس له هداية ولا محاور ولا ضوابط، وهذا هو الفارق بين (الحكمة) التي تفكر من  خلال منهج الإسلام ومحاور الهداية التي وضعها، وبين (الفلسفة) التي تفكر من خلال الاتكال على عقل الإنسان وطاقاته، وحيث جعل من حريته واختياره ومصالحه معبوده وهواه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)(22).

اكتب تعليقك على المقال :