لماذا يكره بعض العرب أردوغان؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : محمد عايش

في تركيا ثمة ديمقراطية عظيمة وباهية لا يمكن إلا أن تستحق الاحترام والتقدير، وثمة حياة حزبية مثالية ترى فيها من كان حليفاً للرئيس بالأمس وقد أصبح زعيماً للمعارضة اليوم، كما يوجد شعب على درجة عالية من الوعي والثقافة ليس من السهل التلاعب بمزاجه العام، وفي تركيا يذهب الناخبون الى صناديق الاقتراع بحرية فيختارون الأفضل.
الديمقراطية التركية ليس لها مثيل أو نظير في منطقتنا العربية ولا في منطقة الشرق الأوسط، وهي ديمقراطية لا تتوقف عند تنظيم انتخابات حرة وشفافة، وإنما تمتد أيضاً الى الأحزاب والممارسة السياسية والاجتماعية وحرية الناس في تنظيم الاجتماعات العامة والتعبير عن آرائهم وحرية صحافة وإعلام وكلام، وبالتالي مشاركة سياسية واسعة ومفتوحة من كافة أبناء الشعب.

الديمقراطية التركية والخوف من انتقال العدوى الى الدول العربية هي السبب الرئيس والحقيقي لموقف بعض الدول العربية من تركيا والنظر اليها على أنها مصدر تهديد

الديمقراطية التركية والخوف من انتقال العدوى الى الدول العربية هي السبب الرئيس والحقيقي لموقف بعض الدول العربية من تركيا والنظر اليها على أنها مصدر تهديد، أما سبب كراهيتهم للرئيس رجب طيب أردوغان فمرده لثلاثة أسباب، الأول أن الرجل أنهى مرحلة حكم العسكر للبلاد وتحكم الجيش في الحياة السياسية، ومن الناحية العملية فهو الذي حوّل الدولة التركية من النظام العسكري الى النظام السياسي المدني الذي لم يعد الجيش يتحكم فيه.
أما السبب الثاني لكراهية أردوغان من قبل بعض العرب فهو أن الرجل وحكمه هو أول نموذج ناجح للإسلام السياسي، فأي إسلامي ناجح قد يُشكل مصدر إلهام لأقرانه وأتباع مدرسته في العالم العربي، ولذلك تُجهد بعض الأنظمة العربية نفسها في تشويه التجربة التركية وشيطنة أردوغان وتضخيم أي أزمة تحدث في تركيا، إذ يريدون الإيحاء بأن الإسلام السياسي فشل في تركيا أيضاً ولم يحقق أي نجاح للبلاد والعباد، وهم يريدون بهذا الايحاء دعوة الناس ضمنياً الى الابتعاد عن خيار الإسلاميين في الحكم.
السبب الثالث لكراهية أنظمة «الثورة المضادة» في العالم العربي لأردوغان هو أن الرجل كان صاحب أوضح موقف في العالم تجاه ثورات الربيع العربي التي أيدها ودعمها، كما فتح بلاده لاحتضان ضحايا «الثورة المضادة» من المضطهدين العرب الذين تعرضوا للأذى وطُردوا من بلادهم بسبب مطالبتهم بالحرية والديمقراطية، وسرعان ما أصبحت مدينة اسطنبول حاضنة لكثير من المعارضين العرب أو اللاجئين أو المهاجرين الباحثين عن مأوى بديل لبلادهم. ورفع قبل أكثر من عشر سنوات شعار «المهاجرون والأنصار»، وهو الشعار الذي أعاد في أذهان الأتراك هجرة المسلمين من مكة الى المدينة المنورة بسبب اضطهاد قومهم لهم في البدايات الأولى لرسالة الاسلام. ومن المعروف طبعاً أن استقبال الأنصار للمهاجرين كان مقدمة ظهور الامبراطورية الإسلامية التي حكمت الكون بعد ذلك 14 قرناً.
في بلادنا العربية ذات الأنظمة السياسية المشوهة يعرف الجمهورُ نتائج الانتخابات قبل حدوثها، ويخشى الناس من زيارة أي مقر لحزب سياسي فضلاً عن الانضمام الى ذلك الحزب، وإذا ما خرجت مظاهرة تُطالب بحق من الحقوق يتجنب الناس الخروج من منازلهم لئلا يتم اعتقالهم وإخفاؤهم لعشرات السنين وراء الشمس، لا بل إن ثمة دول عربية ما زالت أصلاً بلا برلمانات ولا انتخابات ولا أحزاب ولا جمعيات ولا صحافة ولا إعلام. ومن المعلوم بالضرورة أن أنظمة هذه الدول ترى في التجربة الديمقراطية التركية القريبة مصدراً للتهديد، إذ قد يسيل لعاب شعوبها على حياة سياسية مماثلة تتضمن مشاركة شعبية وانتخابات حرة.
والخلاصة هو أن بعض العرب يكرهون أردوغان لأنه نموذج ناجح ومشرّف ويعكس صورة باهية لتجربة الإسلاميين السياسية، كما أنه استطاع أن يُحرر النظام السياسي في بلاده من قبضة العسكر، واستطاع إفشال محاولة الانقلاب الشهيرة، واستطاع أن يوفر لشعبه نظاماً ديمقراطياً وبيئة سياسية حرة ومحترمة. هؤلاء العرب يتمنون أن يفشل أردوغان وهم أنفسهم كانوا يتمنون نجاح الانقلاب في تموز/ يوليو 2016. هم أعداء الديمقراطية ويرون فيها تهديداً لوجودهم وأنظمتهم وهذا هو سر كرههم لأردوغان وضجرهم من تجربته السياسية.

اكتب تعليقك على المقال :