كلاهما ينزف.. إلى متى؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : ياسر الزعاترة

لا يتوقف نزيف المنطقة بعد ما يقرب من عقد على اندلاعه. وهو نزيف يحلو لبعض المسكونين بهوى العبودية أن يربطوه بربيع العرب، لكأن الإدانة ينبغي أن تتوجه نحو ثورات سلمية طالبت بالحرية والكرامة، من دون أن تتجاهل القضايا الخارجية، وفي مقدمتها  فلسطين ورفض التبعية للخارج.

وإذا جئنا نوصّف الأطراف الكبرى التي ساهمت بصناعة النزيف، فسيأتي في المقدمة طرفان كبيران، مع أطراف خارجية، وأخرى  صغيرة تتمثل في الأنظمة ذاتها التي كانت تدافع عن مكتسباتها؛ هي أو بقاياها، وهذه ما كان لها أن تفعل الكثير من دون دعم من الطرفين الكبيرين المشار إليهما.

الطرفان المعنيان هما معسكر “الثورة المضادة” الذي تألف من عدد من الدول العربية المعروفة، وإيران وتوابعها في المنطقة.

نفتح قوسا كي نشير إلى الأطراف الخارجية التي كان لها دورها المهم؛ إن بالصمت والتأييد الضمني، أو بالتدخل المباشر، ونعني هنا القوى الكبرى، إذ لولا حضورها في المشهد، لما كان للطرفين المشار إليهما أن يمارسا كل ذلك العبث. وكان ذلك طبيعيا، فهي معنية بصراعات المنطقة التي تبقيها ضعيفة وتابعة، كما أنها معنية بضرب مسيرة الربيع العربي التي تعني تحررا يهدد مصالحها. وكان تدخلها أو صمتها أو تأييدها سببا في تفاقم النزيف (روسيا وأمريكا تدخلتا بكل الوسائل. أما الصين، فاكتفت بالتأييد السياسي، وبعض أشكال الدعم).

وإذا كانت قوى الثورة المضادة قد تولت مهمة إجهاض ربيع العرب في مصر، والعبث في ليبيا وتونس ودول أخرى، وقبلها اليمن عبر المبادرة الخليجية؛ فقد قدمت إيران مساهمة كبرى بضرب ربيع العرب في سوريا الذي سهّل المهمة في مصر، ثم جاء تدخلها في اليمن ليضرب ما تبقى من الثورة ويشعل نزيفا مرعبا هناك، كما لم تقصّر في العراق، وإن كان الأمر غير مرتبط بربيع العرب، لكنه جزء من النزيف الراهن، من دون أن ننسى لبنان وما يجري فيه منذ العام الماضي.

ربما كان الحشد المذهبي الراهن سابقا بعض الشيء على ربيع العرب، حيث بدأ عمليا بعد غزو العراق، لكنه بقي في حدود قابلة للسيطرة قبل التدخل الإيراني في سوريا ثم في اليمن، وما فعلته مليشيات تابعة لإيران بعد ذلك باحتجاجات العراقيين ضد الفساد، ثم أحداث لبنان التالية.

الآن وبعد ما يقرب من عقد على هذا النزيف البشع، يمكن القول إنه لا الثورة المضادة حققت ما تريد على صعيد تأديب الشعوب العربية كي لا تفكر في المطالبة بالإصلاح والتغيير، بجانب حذف ما يسمى “الإسلام السياسي” من المشهد، ولا إيران نجحت في مشروع التمدد، وتثبيت وضعها في الدول التي اعتبرت أنها سيطرت عليها.

الثورة المضادة تنزف بقوة في اليمن وليبيا، وتواصل دفع المليارات من أجل مطاردة هواجس ربيع العرب، فيما تواصل إيران نزيفها البشع في سوريا، وفي اليمن وفي العراق وفي لبنان، مع أوضاع داخلية صعبة إثر العقوبات الأمريكية وتدهور أسعار النفط وكورونا. أما داخليا، فالنظام الإيراني مرفوض في الداخل، وإن سيطر أمنيا، بينما تعسكر أنظمة الثورة المضادة مجتمعاتها، وتميل إلى النهج البوليسي، ما يعني خسارة في الداخل والخارج.

هل من أفق لوقف هذا النزيف الذي يمكن القول إنه لا يطال الأنظمة وحسب، بل يستنزف الشعوب بشكل أساسي، ومن ضمنها الشعب الإيراني نفسه الذي لا يعرف إلى متى تتم السيطرة عليه بعد كل هذا الفشل لنظام المحافظين؟

سبق أن طرحنا هذا السؤال مرارا في السابق، لكنه اليوم يبدو أكثر إلحاحا، والسبب هو وصول النزيف لمستويات غير مسبوقة في الآونة الأخيرة؛ بعد كورونا وضربة النفط، وفي ظل الفشل الواضح لمعسكر الثورة المضادة في اليمن وليبيا، وفشل إيران الكبير في سوريا والعراق ولبنان، وحيث تعيش الدول الثلاث أزمات اقتصادية من العيار الثقيل، وتبعا لها حراكات شعبية ضد إيران ووجودها أيضا.

لا يمكن الحديث عن أفق  لوقف النزيف من دون مواقف جديدة من الطرفين تتعلق أساسا بإعادة النظر في الأولويات.

بالنسبة لإيران، لا بد من إعادة النظر بمشروع التمدد، والاقتناع بأن الغالبية في المنطقة لن تسلّم لها بالهيمنة على أربع عواصم عربية، فيما على قوى الثورة المضادة أن توقف عملية المطاردة لهواجس ربيع العرب والقوى الإسلامية، وترتيب علاقة جديدة معها؛ عنوانها المواجهة مع المشروع الصهيوني، ومع مشروع التمدد الإيراني إذا لم يغير أولوياته (تحدي سد النهضة في حالة مصر جزء من ذلك)، مع مصالحات داخلية معقولة تنهي حالة الاحتراب الراهنة، وتبحث عن المشتركات لمواجهة التحديات الجديدة بعد كورونا، وفي ظل الصراعات الدولية التي سيكون لها بالغ الأثر على مستقبل الأمة، ويمكن أن تكون مفيدة إذا تحدثت (الأمة) بلغة مشتركة، وليس كدول مشرذمة ومتصارعة.

يستدعي الأمر حوارات إقليمية بين العرب أنفسهم، وبين محاور الإقليم الثلاثة (العرب وإيران وتركيا)، لكن الأمر لن يحدث من دون إعادة النظر في الأولويات، كما أشرنا من قبل.

إذا لم يحدث ذلك، فسيطول النزيف حتى يصاب الجميع بالإنهاك، فيما يحقق الصهاينة مكاسب كبيرة؛ ستعتمد على رد فعل الشعب الفلسطيني على مخطط تصفية قضيته، والذي يؤمّل أن يكون له دوره في إحداث التغيير في المنطقة، عبر انتفاضة شاملة تقلب الطاولة في وجه الغزاة وداعميهم، ومن يتواطأ معهم.

(عربي21)

اكتب تعليقك على المقال :