فلسطين ليست قضيتهم

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : ساري عرابي

بلا مقدّمات واضحة أطلق الذباب الالكتروني السعودي حملة على موقع تويتر تحت عنوان “فلسطين ليست قضيتي”، ولم يكن في الساحة الفلسطينية حدث يمكن التذرّع به للقول إنّ الفلسطينيين يسيئون للمملكة، ممّا يعني أنّ هذه الحملة تندرج في سياقات تكريس سياسات العهد الحالي؛ من التمهيد للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وتسويغ الاصطفافات الإقليمية والدولية التي يأتي في القلب منها بنيامين نتنياهو، وبلورة وطنيّة جديدة تقوم على الانزياح عن الإرث التاريخي للمملكة واختراع أعداء جدد هم الإسلاميون والفلسطينيون، وهم ذاتهم الأعداء التقليديّون للاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، تظهر الاستفادة من الإعلام المصري الموجَّه بصرف الشعب والجماهير عن قضايا لا ترغب الحكومة في تنبّه الوعي الشعبي نحوها. وفي حالة المملكة يمكننا الحديث عن فضيحة الحويطات، والفشل المزمن في حرب اليمن، وعبثية حصار قطر، وربما أزمات اقتصاديّة محتملة جرّاء انهيار أسعار النفط.

ومع هذه السياقات العامّة الأساسية للحملات المتكرّرة ضد القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، يبدو أنّ هذه الحملة الراهنة تأتي ضمن رزمة تندرج فيها مجموعة قنوات (MBC) السعوديّة، في استغلال لشهر رمضان المبارك وتجمّع الناس حول الشاشات، ولا سيّما مع الحجر الصحي بسبب جائحة “كورونا”، في دلالة على المستوى الذي بلغته هذه السياسات في انتهازها للشهر الفضيل لتشويه القضيّة الفلسطينية، واصطناع الكراهية ضدّ الشعب الفلسطيني.

تبثّ قنوات (MBC) مسلسلا يحكي قصّة عائلة يهودية في الكويت قبل هجرة اليهود العرب إلى الكيان الصهيوني بعد اصطناعه، في محاولة لكسر الحواجز النفسية بين الشعوب العربيّة والمحتلّين الصهاينة، بتقديم صورة أكثر إنسانيّة لتلك المجاميع البشريّة التي شكّلت “الشعب الإسرائيلي” على أرض فلسطين. وما عائلة “أمّ هارون” التي يحمل المسلسل اسمها، إلا واحدة من مكوّنات تلك المجاميع التي انتهت في صورة “الشعب الإسرائيلي”، وطالما كانت عائلة “أمّ هارون” بهذا القدر من العادية الإنسانية، التي يمكن وصل العلاقات الإنسانية معها؛ فإنّ “الشعب الإسرائيلي” كلّه على هذه الشاكلة. يبدو أنّ هذا هو جوهر الرسالة المرادة من المسلسل، الغارق في الضعف الفنّي لصالح الاستعجال في بث رسالة كهذه.

على النقيض يُراد إثارة الجدل حول الشعب الفلسطيني بتنميطه وإخراجه عن عاديّته الإنسانية، فبينما بلجأ الذباب الالكتروني السعودي إلى دعاية مركّبة ضدّ الفلسطينيين، من عنصرين؛ الأوّل: القول إنّهم باعوا أرضهم لليهود، والثاني: القول إنّهم ناكرون للجميل كارهون للسعوديّة، وتعميم هذه الدعاية على كل الفلسطينيين بلا استثناء، فإنّ قنوات (MBC) وفي حلقة من مسلسل يُدعى “مخرج 7”، أخضعت هذه الدعاية للنقاش في مقابل دعاوى تطبيعية مع الاحتلال لإسرائيلي، وفي موقف شديد المخاتلة قد ينطلي على البعض.

بطل المسلسل “ناصر القصبي” أخذ موقف المدافع عن الفلسطينيين، ولكن بإعادة إنتاج هذه الدعاية في مقابل الداعي للتطبيع الكاره للفلسطينيين، بمعنى أنّ الموقف من الفلسطينيين وجهة نظر تتساوق مع الدعوة للتطبيع والتي هي وجهة نظر أيضا قابلة للنقاش، ثمّ تقوم هذه المحاورة بتصوير القضية الفلسطينية من خلال شعبها لا من خلال عدالتها، وطالما أنّ هذا الشعب بائع لأرضه كاره لمن أسدى له الجميل، فهو لا يستحق المناصرة، في حين (بحسب هذه الدعاية) لم يجد السعوديون من الإسرائيليين كراهية ولا شرّا كما وجدوا من الفلسطينيين.

تدوير هذه الدعاية، وإخضاعها للنقاش، في الوقت نفسه مع حملة “فلسطين ليست قضيتي”، والمبالغة في المحاولات المخاتلة لتقريب الإسرائيليين بأدوات غير مباشرة كما في مسلسل “أمّ هارون”.. لا يهدف إلى التمهيد للتطبيع وتسويغ سياسات العهد الحالي فحسب، ثمنا لترتيبات الحكم، وإنّما، وبالإضافة إلى ذلك، يأتي ضمن رؤية جديدة لصياغة الهويّة الوطنيّة السعودية، وجعل كراهية الفلسطينيين عنصرا في تشكّلات هذه الهويّة، كأيّ هويّة تُعرّف نفسها مقابل آخر، هذا الآخر الآن يأتي الفلسطينيون من ضمن عداده وبلا أيّ منطق يمكن فهمه، لكن المنطق تحديدا ينبغي نفيه في خطابات الذباب!

إذن، وطالما أنّ الإسرائيليين لم يعتدوا على السعودي، وإنّما على الفلسطيني بائع أرضه ناكر الجميل، فهم بشر عاديّون كعائلة “أمّ هارون”، وأمّا الفلسطيني، ومن دون شعوب الأرض كلّها، فهو بين أن يكون شعبا بكامله من الشياطين، أو أنّه فيه شرّ كثير يطغى على ما فيه من خير أو يساويه. فباعة الأرض فيه لا يقلّون عن المقاومين وقد يزيدون، وكذلك ناكرو الجميل فيه. وهذا التصوير للفلسطينيين إخراج لهم عن إنسانيتهم، إذ يبدون في هذه الدعاية وفي حلقة مسلسل “مخرج 7” شعبا عجيبا، محيّرا، يستدعي هذا النقاش لنقنع أنفسنا إن كانوا جيدين أم لا، فإن لم يكونوا جيدين فإنّهم لا يستحقّون دعمنا، ولا تهمّنا عدالة قضيتهم حينئذ طالما أنّها ليست قضيّتنا!

الدعايات التي تستهدف الفلسطيني، وتصلّ في بعض أعتى حالات الفجور فيها تبنّى السرديّة الصهيونية بالحرف، تافهة في مضمونها إلى حدّ لا يستحقّ الردّ، ولكنها محزنة للغاية، إذ تزيد على هذا الشعب ظلما فوق ما يعانيه من ظلم، لأسباب لا علاقة له بها. فترتيبات الحكم، لا تتعلّق بالفلسطينيين، ولكنّ تحالفات ضمان الحكم، تُدفع اليوم من عدالة القضيّة الفلسطينية، ومن إنسانية الفلسطيني، وإلا فإنّ المنطقة العربيّة مرّت بانقسامات هائلة، كما في صراع عبد الناصر مع السعودية، وكذا العراق، والانقسامات بين الرجعية العربية والتقدّمية، وما سوى ذلك. وقد واجهت السعودية في الصراعات تلك كلّها من الدعاية ما لا يمكن أن تجد له مثيلا فيما يُزعم من مواقف فلسطينية ضدّها، كما أنّ السعودية قدّمت دعما ماليّا للعديد من الحكومات العربيّة، بما يزيد على ما قدّمته للفلسطينيين، فلماذا يُختار الفلسطيني حصرا، من دون غيره، لبلورة هويّة وطنيّة بكراهيته؟! ويُصوّر بهذه الصورة الشيطانية التي لم نستعرض إلا نُتفا منها؟!

الجواب ببساطة عند بنيامين نتنياهو.

اكتب تعليقك على المقال :