فلسطيني.. لديّ حلم

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : عدنان حميدان

كلما قرأت كيف كان لمارتن لوثر حلم أصبح واقعا – إلى حد ما – فيما بعد؛ أسلّي النفس المترهلة من الأشواق ذات الأهوال التي تحس ولا تترجم – كما قال الرافعي – بتحقيق حلمي الموروث من والدي؛ الذي هُجّر من أرضه في مجدل الصادق قرب رأس العين عام 1948 وعمره حينها لم يتجاوز ثماني سنوات.

في كل يوم يتجدد الحلم الذي يراود كل فلسطيني بالعودة إلى كرمه وبيارته وحاكورته وأشجار زيتونه؛ التي يشتاق لها حتى لو سكن في أقصى الأرض.

لدي حلم بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين الذين تقطعت بهم السُبل وتشتتوا في أصقاع العالم إلى أرضهم المحتلة، ومعا يهدمون جدار الفصل العنصري كما فعل الألمان في جدار برلين، ويعيشون بعد ذلك بسلام آمنين.

طوائف وملل أو أي فكر آخر يحمله أي إنسان على هذه الأرض، كما كانوا قبل الاحتلال مسلمين ومسيحيين ويهودا ودروزا.

لدي حلم بتحرير أرض فلسطين كاملة من نير الاحتلال، يحتكم الناس فيها جميعا إلى قيم العدل والمساواة والحرية، وتجرى انتخابات نزيهة لا يخاف فيها مرشح أو ناخب من البطش أو التنكيل بسبب موقفه السياسي، ولا يتم فرز الناس فيها طبقات يصبح معها أبناء البلد الواحد مقسمين ولو بشكل غير علني لطبقة أولى تحظى بجميع الامتيازات وأخرى مسحوقة تقاتل لنيل أبسط الحقوق.

لدي حلم بأن أقطف ثمار شجر الزيتون في الأرض التي تركها لنا جدي، دون أن يأتي مستوطن غريب لاستفزازي والاستخفاف بمشاعري وإتلاف أشجاري كالعادة، فمع كل جذر ينزعه ينزع معه عرقا من جسدي.

بل وقد يصل به التطاول ليحرقها فيحرق معها رائحة جدي وقد حرقوه هو من قبل.

لدي حلم بالسير بين مدن وقرى أرضي المحتلة دون أن يوقفني أحدهم على الـ”المحسوم” ليسألني عن أوراقي، وعلى مزاجه يسمح بدخولي تلك المدينة أو القرية أو يمنع ذلك، متلذذا بإرهاقي وكتم أنفاسي، بناء على تعليمات وضعها بلغة بندقيته وسياسة الأمر الواقع.

لدي حلم بأن أتجول براحتي زائرا أنفاق رأس الناقورة ثم سور عكا، وأعرّج على حيفا لأسبح في شواطئها، ومن بعد أصعد جبال الكرمل متنفسا هواءها المنعش، وأستريح مساء في الناصرة وأكمل رحلتي وسط البلاد وجنوبها، فهناك برتقال يافا ينتظرني وساحات الأقصى تتلهف لاحتضاني، ومسرى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لصلاة ركعتين بجواره، وكذا كنيسة القيامة وهناك مهد المسيح عليه السلام في بيت لحم.

هي فلسطين تلك البلاد التي تقدمت مبكرا، وقد عرفت مطاري اللد والقدس وغيرهما من المطارات فضلا عن سكك القطارات، وصاغت الجنيه الفلسطيني منذ مئات السنين، ولا تكاد تخلو أمهات الكتب وموسوعات التاريخ من ذكرها.

لدي حلم بأن أزور غزة وقد انزاح الحصار الغاشم عنها، وأزور قبر شيخ فلسطين فيها ثم أتناول شيئا من الفراولة اللذيذة التي تشتهر بها بعد طعامها الحار – رغم عدم رغبتي بالحار – فكثرة حديث أهلها عنه تثير فضولي لأتذوقه. وفي التجوال في القرى الفلسطينية وهي بالآلاف؛ لا غنى عن تناول “المسخن” الفلسطيني، حيث جميع مكوناته من حديقة أي منزل هناك ولا داعي لشراء شيء من أي محل في السوق، وإن احتاجت العائلة مكونا في إعداده ولم تجده لديها فالجيران كالأهلين كل يتسابق على تقديمه بكل حب.

وما أن يأخذ المسخن مجراه في فمي حتى تفرض حلوى الكنافة النابلسية حضورها برائحتها الزكية وطعمها الأخاذ. وعلى ذكر الطعام فهناك كعك القدس ومعمول العيد، فضلا عن الحمص والفلافل مع الخبز البلدي على الحطب صباحا لإفطار شهي يرافقه الزيتون النبالي وأنت تجلس في بيتك المتفنن بتشكيله وكأنه جوهرة من طين.

وأما الخليل فحكاية أخرى من الحضارة والتاريخ والصناعات المتقدمة من الأحذية والجلود وحلوى الدحدح، وأشهر ما يميزها تجارها الموسومون بالذكاء وقد أصبحت قصصهم تراثا تتناقله الأجيال بكل فخر.

فلماذا يستكثر عليّ هذا العالم هذا الحلم ويضع دونه العراقيل، بل ويسهل هجرة ومغادرة أبناء فلسطين لأرضهم ووطنهم جالبا الغرباء ليحتلوا أرضهم ويستولوا على بيوتهم؟! حتى أصبح الفلسطيني المطرود من أرضه وأرض والده وأرض جدوده محروما من دخولها ممنوعا من حمل جنسيتها، بينما الغريب الذي ولد هو وأجداده خارجها مواطن فيها يتمتع بكامل الحقوق، بل وفرض على العالم بما فيه محرك البحث غوغل تغيير اسمها وشطبه، وهذا استجهال قاهر لحق معلوم جلي!

لماذا يجبر الفلسطيني دون غيره من شعوب الأرض على الاعتراف بسارق سرق بيته وقبول احتلاله لذلك البيت، وعليه التعايش معه وقبوله وإلا يصبح متهما بالإرهاب إذا قاومه لأجل استرداد منزله المغتصب، رغم أن المواثيق الدولية – التي يزعمون – تكفل ذلك الحق؟

لا أدري الآن بعد هذا الحديث عن حلمي إذا كان فيسبوك وتويتر سيمنعان حقي، حتى في أن أحلم في ظل حربهما المجنونة على المحتوى الفلسطيني؟!

ولكن ليس فيسبوك وتويتر فحسب، بل لو اجتمعت قوى الأرض كلها لو اجتمعت قوى الأرض لتحرمني حقي فلن أتنازل عنه قيد أنملة، وإني لا أراه حلما فقط بل واقعا قريبا جدا بمشيئة الله ثم عزم وسعي المخلصين وتكاتفهم.. حلم يراه كثيرون بعيدا وأراه ومثلي الملايين من الفلسطينيين وأنصارهم من أحرار العالم قريبا؛ أقرب من الرمش للعين.

اكتب تعليقك على المقال :