“عرين الأسود”.. إجابة لم تقفز في الفراغ

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : ساري عرابي

يتستر الاحتلال بالظلام، ويستند إلى قدراته التقنية المتفوقة التي تغطي السماء بالطائرات المسيّرة، وهكذا يرسل وحداته الخاصّة إلى قلب مدينة نابلس، معزّزة باستعداد قناصته، ومستندة إلى القوات النظامية المتأهبة بالمصفحات، ومن بعيد مدفعيته، وبإدارة رئيس أركان جيشه ورئيس مخابراته من مقرّ “الشاباك” في قلب “تل أبيب”. وذلك كلّه بحثاً عن حلّ لظاهرة “عرين الأسود” في نابلس، بعدما أخذ يجرّب معها ما كان يحسب أنّه قد صار من ماضي صراعه مع الفلسطينيين في الضفّة الغربية، كالحصار المطبق، والاغتيالات عن بعد.

أفضت العملية إلى خمسة شهداء، بعضهم من قادة “عرين الأسود”، وأعداد من الجرحى، منهم من هو على حافّة الشهادة، وجرّ معه الاحتلال دورية معطوبة له، وخسائر يتكتم عليها. وفي الأثناء بدا أنّ ثمة شهيداً يرتقي من قرية النبي صالح/ رام الله، ومع شروق شمس الثلاثاء الفلسطيني (25 تشرين الأول/ أكتوبر)، كانت قوات الاحتلال تحاصر منزلاً في قرية رمانة/ جنين، وهكذا كان فجر هذا اليوم بالنسبة للفلسطينيين.

على نحو سريع، وفي أقلّ من شهرين، وكما تحدثَتْ المقالة السابقة الموسومة بـ”عن ظاهرة عرين الأسود.. الرومانسية في واقعيتها”، صارت هذه الظاهرة حديث الفلسطينيين، ومرتكز أسئلتهم عمّا يمكن أن تصير إليه الأوضاع في الضفّة الغربية.

الظاهرة نفسها، على محدودية حجمها وتمركزها في نابلس، في نمط بنيتها وتكوّنها، تجيب على هذه الأسئلة وبغض النظر عن الظاهرة نفسها، وهذه هي المفارقة التي سيزول التباسها حين اتضاح السياقات الأوسع لهذا التشكّل.

الانتقال السريع، عن ارتقاء أعداد من الشهداء المقاومين في نابلس، إلى البحث عن نمط تنظيمي أكثر جدوى، هو في ذاته يعكس إرادة القتال والإثخان لدى أصدقاء هؤلاء الشهداء، الأمر الذي تحوّل إلى تشكيل “عرين الأسود”، الذي تنساب فيه الانتماءات الفصائلية لصياغة نموذج من الوحدة على قاعدة القتال، يجيب على أسئلة المخرج من حالة الانسداد التي أوصل الفلسطينيين إليها مسارُ التسوية، وما تلاه من افتراق فلسطيني، مؤسّس جوهريّاً على الوقائع التي اجترحها هذا المسار.

أديرت في السنوات الأخيرة عشرات الفعاليات التي تبحث في سؤال المخرج من الانسداد الفلسطيني القائم، وانعكست هذه الفعاليات في آلاف الأوراق في المبادرات، وورش العمل، والكتب، والمقالات، والندوات. كانت كلّ هذه الأحبار المسالة تبحث عن المخرج من داخل المسار نفسه، أي تسعى في محاولة لإعادة تحوير ما هو قائم بما لا يبتعد عنه كثيراً. وبكلمة أخرى، ظلّ مشروع السلطة، والافتراق المؤسسي فيه، مدار البحث والمحاولات، مما جعلها تستنسخ نفسها باستمرار، لأنّها من جهة تقفز عن إشكالية السلطة في ظلّ الاحتلال، ومن جهة أخرى، لا تقيم الوزن الكافي لأصل الاختلاف القائم، وهو الاختلاف البرامجي. ولا ينمّ ذلك إلا عن الفقر الذي ضرب الخيال الفلسطيني، وبما طال الكتاب والمثقفين، الذين انحصر خيالهم، بدورهم داخل هذا المُرتَكس الضيق والخانق.

الإجابة التي قَدّمتها “عرين الأسود” مُركّبة، من القتال إرادة وفعلاً، ومن الوحدة على قاعدة القتال، وحدة حال ووحدة مقال، ولما كان الأمر كذلك، استدعت الظاهرة استجابة الجماهير، وهذه الاستجابة الجماهيرية، الناجمة بدورها عن صدق الدم وعلوّ الشهادة، تشير إلى المخزون الكفاحي للفلسطينيين، والبحث عن الدور الممكن للجميع في هذا الواقع، والوعي بحقيقة الموقف السياسي وضرورة الخروج منه. وهذه الحقيقة وحدها، التي يجب البناء عليها، لتوسيع الكوّة المفتوحة لنا صوب الأفق، من سعي الطلائع، ودماء الشهداء، لا بإعادة سكب الأحبار، وتدوير اللقاءات، من داخل المُرْتَكَس نفسه.

ولم تكن الإجابة لتكون بهذا الوضوح، لولا أنّ الوعي كان يتحرك بعمق، في باطن المجتمع الفلسطيني، وهو ما يعني أنّ ظاهرة “عرين الأسود” لم تكن قفزة في الفراغ، ومن ثمّ، فإنّ مآلاتها المتعلقة ببنيتها وهيكلها، ليست هي عينها مآلات المسار العام للمقاومة في الضفّة الغربية، إذ “عرين الأسود” واحدة من محطات هذا المسار، الجاري منذ الحرب على غزّة عام 2014.

لا ينبغي أن نظلّ نطرح الأسئلة عند كلّ ظاهرة نضالية، وكأنها جديدة في المطلق، أو كأنها قفزة في الفراغ، دون القدرة على ملاحظة السياق العام الموصل إليها والذي تندرج فيه. فمنذ العام 2015 والأسئلة تُستعاد بلا ملل، وبغفلة مطبقة عن أنّها كانت تُسأل للتوّ، وكأنّ الفلسطينيين في هذه الساحة قد بدؤوا النضال لتوّهم مع هذه الحادثة أو الظاهرة أو المحطة، مع أنهم بالكاد انتقلوا إليها من محطة شبيهة سبقتها.

لا يمكن أن نفصل موقف المقاومة الراهن في الضفّة واستجابة الجماهير له، عن حرب العام 2014 في غزّة التي أعادت صياغة الوعي في الضفة من الموقف السياسي وفرقائه من جديد، ثمّ ومنذ ذلك الحين وشباب هذه الساحة يسألون أنفسهم سؤال الواجب والممكن، الذي تجلّى في هبّة القدس عام 2015، في سلسلة عمليات بأدوات بسيطة، تخللتها عمليات مؤثّرة، وحالة من الإلهام والتوليد من الفعل، رافق عدة هبات أخرى في سنوات 2017 و2019 و2021، لتكون معركة “سيف القدس” في 2021 حاسمة، في نقل المحاولات إلى مرحلة أرقى.

والحاصل أنّ ظاهرة “عرين الأسود”، جزء من سياق أوسع آخذ في التكرّس لا التراجع منذ بضع سنوات، وهو غير منبتّ عن الواقع السياسي والاجتماعي في الضفة؛ مع انتهاء المقولة السياسية للسلطة الفلسطينية، دون مبررات شعبية أو قدرات اقتصادية كافية لاستمرارها، وإذا أُخذ هذا الواقع السياسي الاجتماعي، مع وجود بنية مقاومة في غزّة قادرة على إعادة صناعة نموذج الإلهام من جديد، ومع كون ظواهر المقاومة المتجددة جزءاً من سياق ماض إلى الأمام، ومع كون دواعي التثوير المباشِرة قائمة باستمرار، كالمسجد الأقصى وثقل الاحتلال وانتفاش المستوطنين، فإنه لا يمكن الحديث عن رجوع إلى الوراء، بغض النظر عن استمرار بعض التشكيلات ومآلاتها.

اكتب تعليقك على المقال :