عالم جليل عرفته.. جمال قطب رحمه الله

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : شعبان عبد الرحمن

رحل  الشيخ جمال قطب في صمت وتم تشييعه في صمت وبلا مشيعين بناء علي وصيته تحاشيا للوباء  اللعين ..رحل بعد مسيرة مشرقة تشهد لها  جنبات الأزهر الشريف ومحاريب الصلاة والدعوة إلي الله وميادين العمل الاجتماعي الخيري الفسيحة .

عالم ليس من أهل النصوص والمتون والسند فقط وإنما طراز العلماء الذين حولوا تلك المتون والنصوص العظيمة إلي حركة  وفعل وتأثيير وتوجيه للناس بعيدا عن هيمنة السلطان، وهو وإن ظل مستقلا محافظا علي كونه عالما يخدم دينه ويوجه الناس إلا أنه مد يده للتعاون مع كل العاملين بإخلاص لدين الله الذين يملأون الحياة حركة وعلما ، وانحاز دائما إلي كل خدم دينه وأمته . 

كان رئيسا للجنة الفتوي بالأزهر سابقا وشغل مقعد البرلمان المصري مستقلا عام 1987م ،

وظل منشغلا باستعادة الأزهر الشريف لدوره الريادي المستقل، فتنبني  مشروعا لاستقلاله وقيادته للمؤسسة الدينية كاملة بعد أن أصيبت بازدواجية القيادة بين الأزهر والأوقاف والإفتاء  وضعف دورها ، خاصة أن وظيفتي الأوقاف والافتاء وظائف حكومية تتبع في قراراتها النظام الحاكم وهو ما خصم من استقلال الأزهر وأثر بالسلب علي دوره المستقل . وقد شجعه علي تنبي ذلك المشروع عمله الدؤوب في ميدان الدعوة ومتابعته اليومية لتطورات العمل في المؤسسات الدينية .

كان قريبا  من الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر – يرحمه الله – ومحل ثقته ، وقد أنابه عنه لتمثيل الأزهر في العديد من المحافل والقضايا ، ومنها تمثيله للأزهر في الزيارة التفقدية التي نظمتها لجنة الإغاثة بنقابة أطباء مصر لما يجري علي أرض البوسنة عام 1992م من مذابح للمسلمين علي يد الصرب ، وهي المذابح التي اهتز لها الضمير الإنساني واهتمت بها مشيخة الأزهر .

 و من خلال مشاركتي في تلك الجولة تعرفت علي فضيلته عن كثب وعايشته علي امتداد ثلاثة أسابيع متتالية ، في ظروف شديدة الخطورة وفي أجواء مليئة بالدموع والدماء والآلام أثناء تنقلنا بين اللاجئين المسلمين الفارين إلي كرواتيا وانتشروا في المدارس والصالات الرياضية وعربات القطارات وكذلك وخلال زيارتنا لما أمكن من  المدن البوسنوية التي كانت تتعرض للسحق والإبادة .

أقول:  قضينا ثلاثة أسابيع صاخبة،  بين صرخات اللاجئين حزنا علي ذويهم وآلام المغتصبات والجرحى ، وكانت كلماته – يرحمه الله – في كل موقف تهدئ من حالة الحزن وتدخل الطمأنينة إلي القلوب وتشحذ العزائم لمحاولة النهوض من جديد …كلماته لم تكن شافية لمن قابلناهم من  المكلومين من أهل البوسنة فقط بل كانت شافية لمثلي فقد أصبت بصدمة من هول ما شاهدت وسمعت عن الانتهاكات البشعة ، فقد رأيت بعيني رأسي مشاهد لاتنسي، تشهد علي  مخازي حضارة القرن العشرين في قلب أوروبا  والتي رفضت وجود كيان مسلم صغير بين جنباتها فحاولت سحقه … رأينا المآذن التي تم ذبحها وقبلة الصلاة في الجوامع التي أفرغوا فيها حقدهم الأسود ورسموا عليها صلبانهم ..استمعنا بألم بالغ إلي قصص القتل والتمثيل بالجثث والإبادة الجماعية والاغتصاب ، وكانت تذكيرات الشيخ جمال وخواطره الايمانية في الملاجئ المنتشرة في كرواتيا  هي السلوي والعلاج .

وانتهت تلك الرحلة التي لاتنسي وبقي الرباط القلبي قويا بيني وبين فضيلته  .. ورغم أن  دروب الحياة المتلاطمة باعدت بيننا إلا أن الرباط ظل قويا والذكري ظلت حاضرة .

وفي معرض حديثي  عن وفاته مع صديقي المحترم الأستاذ اسماعيل الفخراني ( صحفي بالأهرام ) قال لي عن الشيخ جمال : لم أعلم عنه إلا كل خير فقد ذهبت بصحبته يرحمه الله إلي الحج  قبل خمس سنوات ولم أر منه إلا كل خير ..  ما عهدته إلا عالما فاضلا وقافا عند حدود الله …

ذلك شيخ فريد في علمه ومواقفه وحركته بين الناس … “عمامة ” تعانق السماء وتشرئب لها الأعناق وما أكثرها فكنانة الأزهر لا تنضب ،وكلما أصيب  المرء بغثائية بعض “العمائم ” التافهة  التي تهين العلم والخلق والسلوك الرشيد تظل عمامة الشيخ جمال قطب وأمثاله من علماء الأزهر الشريف العاملين تعطي الامل في العلم والعلماء وفي صرح الأزهر العريق .

أيها الحبيب ..ياصاحب العمامة البيضاء:  أشهد أنك كنت صالحا مصلحا …رحمك الله وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة وألهم أسرتك وكل محبيك الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

(*) مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية والشعب المصرية – سابقا

اكتب تعليقك على المقال :