صاحب “الظلال” يرفض مغادرة الذاكرة!

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : علي سعادة

كثيرون لا يزالون يدعون إلى قراءة إنتاجه الفكري والديني بأناة وموضوعية وإنصاف. 

فقد حُمَّلت كتبه ومحاضراته وأفكاره أكثر مما تحتمل، ووظفتها تيارات واتجاهات دينية بشكل مجتزأ، أخرجته عن سياقاته الفكرية الأصيلة. 

واعتبرته جماعة “الإخوان المسلمون” أحد قادة الجماعة ومؤسسيها بعد المؤسس الأول حسن البنا، فيما يؤكد خصومهم “أنه من أوائل منظري فكر “السلفية الجهادية” منذ ستينيات القرن الماضي. 

كان أديبا ومفكرا أكثر منه عالم دين؛ ولذلك لم يلتزم بمصطلحات العلماء في كتاباته. 

كانت تحيط به مفارقات لا تجتمع في شخص واحد إلا قليلا: ضعف البنية البدنية وقوة القلب، وبينما كانت تبدو عليه مظاهر المسالمة والموادعة، كان في الواقع حاد اللسان متين العبارة غزير الإنتاج وهجوميا. 

طور مفهومين أساسيين في تفكيره وهما مفهوم “الحاكمية” ومفهوم “الجاهلية المعاصرة”، وحول هذين المفهومين تدور كل الأفكار الأخرى التي تصادفنا في مقالاته وكتبه، وعلى وجه الخصوص كتابه “معالم في الطريق”، وكذلك في تفسيره للقرآن الكريم “في ظلال القرآن”. 

ولد سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي عام 1906 في محافظة أسيوط لعائلة موسرة نسبيا، وكان والده رجلا متدينا مرموقا بين سكان القرية، وعضوا في لجنة “الحزب الوطني” الذي كان يرأسه مصطفى كامل. 

التحق بمدرسة المعلمين الأولية بالقاهرة ونال شهادتها، والتحق بدار العلوم وتخرج منها عام 1933، وفي أثناء عمله بوزارة المعارف بوظائف تربوية وإدارية، ابتعث إلى أمريكا عام 1948. 

انضم إلى “حزب الوفد” وبدا متأثرا بفكر الحزب وجماعته وخصوصا بكاتبه عباس محمود العقاد، وكان من أشد المدافعين عنه، إلا أن نظرته إلى الجيل السابق أخذت تتغير شيئا فشيئا، وبدأ بإنشاء منهج اختطه بنفسه. 

وما لبث أن ترك الحزب على أثر خلاف عام 1942، وعندما اغتيل حسن البنا كان قطب في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك سمع بالرجل من الإعلام الأمريكي، وبدأ في التحول الحقيقي خاصة بعدما رأى بعينيه كراهية الغرب للإسلاميين العرب، وفرحهم الشديد بمقتل البنا.  

تأثر بعض الشيء أثناء وجوده في أمريكا بالحداثة الليبرالية، ولكن اغتصاب فلسطين ونكبة شعبها، أثارت في نفسه الغضب.

وعند عودته أحسن “الإخوان” استقباله، وأكد صلته بهم حتى أصبح عضوا في الجماعة في عام 1950، وخاض معهم نشاطهم السياسي الذي بدأ منذ عام 1954. 

انضم قطب إلى صفوف “الإخوان” في وقت المحنة، فبعد انضمامه بفترة وجيزة سجن عدة مرات، وظل قابعا بالسجن سنوات عديدة من عمره ذاق فيها صنوفا من التعذيب، إضافة إلى أمراضه في الكلى والمعدة والرئة، وأصيب من جراء التعذيب بنزيف رئوي شديد وذبحة صدرية. 

وكانت بداية العلاقة بين قطب و”الإخوان” بكتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، ووجد قطب ضالته في الدراسات الاجتماعية والقرآنية التي اتجه إليها بعد فترة الضياع الفكري والصراع بين التيارات الثقافية الغربية، ورفض أن يستمد التصور الإسلامي المتكامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان من ابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم؛ لأن فلسفتهم – في رأيه – ظلال للفلسفة الإغريقية. 

حاول الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أن يحتوي سيد قطب قبل انضمامه لـ”الإخوان” فعرض عليه استلام وزارة المعارف فرفض العرض، وكان المدني الوحيد الذي كان يحضر اجتماعات مجلس الثورة التي قام بها الضباط الأحرار، ولكنه سرعان ما اختلف معهم على منهجية تسيير الأمور مما اضطره إلى الانفصال عنهم. 

بدأت محنته باعتقاله بعد حادثة المنشية عام 1954 حيث اتهم “الإخوان” بمحاولة اغتيال عبد الناصر، وضمن ألف شخص من “الإخوان” ، حكم عليه بالسجن 15 عاما وألف كتاب “معالم في الطريق” و”المستقبل لهذا الدين” كما أكمل تفسيره “في ظلال القرآن”. تم الإفراج عنه بعفو صحي في عام 1964. وأفرج عنه بوساطة من الرئيس العراقي عبد السلام عارف وفقا لروايات غير مؤكدة. 

إلا أنه ما لبث أن اعتقل ثانية بعد حوالي ثمانية أشهر بتهمة “التحريض على حرق معامل حلوان لإسقاط الحكومة”، كما حدث في حريق القاهرة. وحُكم عليه بالإعدام مع 6 آخرين. 

وقضت المحكمة بتخفيف الحكم على آخرين، وكان من ضمن المتهمين محمد بديع مرشد “الجماعة” فيما بعد. 

لم تنفع اتصالات وتدخلات العديد من الزعماء بمن فيهم الملك فيصل ملك السعودية، ورئيس العراق عبد السلام عارف والمفكرين والشخصيات والهيئات العربية والإسلامية في ثني الرئيس عبد الناصر عن إعدامه، وتم تنفيذ الحكم في 29 آب عام 1966. 

وحين ينتقد عدد من الكتاب والمؤلفين ورجال الدين كتابات وأفكار قطب، يتهمونه بتكفر المجتمعات في فهمها القاصر، لكن يرد البعض أن قطب استخدم لفظ “الجاهلية” في وصف المجتمعات الإسلامية، ولم يستخدم لفظ الكفر، ولم يصرح بتكفير فرد أو مجتمع. 

ورغم كتبه العديدة، إلا أن المستشار عبد الله العقيل يقول في مجلة “المجتمع” عام 1972: “إن سيد قد بعث لإخوانه في مصر والعالم العربي أنه لا يعتمد سوى ستة مؤلفات له وهي: هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، الإسلام ومشكلات الحضارة، خصائص التصور الإسلامي، في ظلال القرآن، ومعالم في الطريق”. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الأجزاء من كتبه ضاعت؛ نظرا لأنه كان يكتب على كل ما يتوفر لديه من ورق، ومن ضمن ذلك أوراق الادعاء في المحكمة، بالإضافة إلى أن معظم كتبه أصبحت ممنوعة في مصر في عهد عبد الناصر. 

سيد قطب أثار من الجدل بعد إعدامه، أكثر مما أثاره في حياته، ويقول غازي القصيبي على لسان بطل روايته “العصفورية” إن “كتاب معالم في الطريق أهم كتاب عربي ألف في السنوات الخمسمائة الأخيرة”. 

كان سيد قطب أول من قدم نجيب محفوظ إلى القارئ المصري، وأول من بدأ بإلقاء الضوء على موهبته الأدبية، وكان سيد شغوفا بالأدب، أحدث ضجيجا منذ ستينيات القرن الماضي ولا يزال. 

لم يتجاوز عدد الكتب التي ألفها سيد قطب 13 كتابا، لكن الكتب التي تناولت حياته زادت على الخمسين كتابا، ولا يزال الرجل يحظى بالجاذبية واهتمام الباحثين حتى الغربيين، رغم مرور 51 عاما على إعدامه. 

ويعتبر قطب مصدر إلهام لتيارات إسلامية عديدة على اختلافاتها وتوجهاتها، ودرس منهجه السني والشيعي والمعتدل. 

طريقة إعدامه رفعته إلى مقام رفيع لدى الجماعات الإسلامية، ونعتته “جماعة الإخوان المسلمين” في بيان مقتضب ووصفت ما كان يكتبه بأنه “ينير طريق الحائرين”. 

حملت ذكرى إعدامه هذا العام سلسلة تغريدات وبوستات على مواقع التواصل الاجتماعي التي احتفت بهذه المناسبة بوصف صاحبها رجل فكر ودين وأدب حر رفض أن يهادن السلطة على حساب عقيدته.

اكتب تعليقك على المقال :