حماس ومقاربة إدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : عاطف الجولاني

في 26 تموز/يوليو 2023 التقت قيادة حركة حماس رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في أنقرة قبل أيام من انعقاد لقاء الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في مدينة العلمين بمصر، والذي قررت حماس حضوره في ظل غياب ثلاثة فصائل فلسطينية هي الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية/القيادة العامة، وقوات الصاعقة. الأمر الذي طرح التساؤلات حول إدارة حماس لملف العلاقة مع السلطة الفلسطينية ومع قيادتها التي عبّرت خلال لقائي أنقرة والعلمين عن مواقف متشددة ووضعت شروطًا تعجيزية لتحقيق المصالحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، من أهمها الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، والتخلّي عن المقاومة المسلحة، وحصر السلاح في يد السلطة.

دوافع ومبررات:
من يتابع أداء حماس ومواقفها خلال السنوات الأخيرة يلحظ أن الحركة باتت على قناعة بتراجع فرص إنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق المصالحة وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، بسبب تشبّث قيادة السلطة بمواقفها المتشددة وعدم رغبتها بتغيير الوضع القائم الذي يديم تفرّدها واستحواذها على القرار السياسي وهيمنتها على مؤسسات العمل الوطني. 
وعلى الرغم من إدراكها لذلك، تواصل حماس بذل الجهود الجدّية لإنهاء الانقسام وتتجاوب مع مختلف الدعوات العربية والإقليمية والدولية لاستضافة لقاءات الحوار الوطني الفلسطيني، وتُعبّر عن مواقف مرنة ومنفتحة على تحقيق المصالحة والتفاهم مع قيادة فتح والسلطة، بل إنها كانت المبادرة لطلب اللقاء الأخير مع عباس في أنقرة بهدف تذليل العقبات أمام اجتماع العلمين في مصر. 
وبمعزل عن دوافع حماس ورؤيتها وتوجهاتها المعتمدة لإدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية، فإن القراءة المعمّقة والمتمعّنة لأدائها ربما تكشف عن بعض ملامح رؤيتها السياسية والفلسفة التي تحكم إدارتها لملف العلاقة مع السلطة الفلسطينية ولتحديد مواقفها إزاء جملة من التطورات المهمة في الساحة الفلسطينية.
فمن يتابع توجهات حماس ومواقفها لا يجد صعوبة في استنتاج ملامح رؤيتها الاستراتيجية لإدارة المرحلة القادمة. فعلى صعيد الأهداف الاستراتيجية، يبرز هدفان محوريان لأدائها ومواقفها في الساحة الوطنية ولإدارة منظومة علاقاتها الخارجية:
الأول: السعي لدحر الاحتلال عن الضفة الغربية، واستنساخ نموذج انسحابه الاضطراري من قطاع غزة من طرف واحد في العام 2005، عبر فلسفة تقوم على رفع كلفة استمرار الاحتلال في الضفة الغربية وصولًا إلى نقطة حرجة يعجز عن احتمالها.
الثاني: التقدّم خطوات مهمة على طريق قيادة المشروع الوطني الفلسطيني المستند إلى خيار المقاومة الشاملة، وتوفير مستلزمات ذلك ومتطلباته.  

تبريد وتجنّب للمواجهة والاستنزاف:
قد يبدو السعي لدحر الاحتلال عن الضفة الغربية هدفًا طموحًا في ظل موازين القوى والمعطيات الراهنة، لكنه هدف لا يحلّق في الخيال، وينطوي على كثير من الواقعية. والأمر لا يقتصر على حماس وحدها، حيث تتشكل قناعة واسعة متزايدة لدى العديد من حركات المقاومة والنخب الوطنية والقطاعات الشعبية، بأهمية اعتماد ذلك كأولوية استراتيجية وهدف مرحلي توافقي على طريق إنجاز التحرير الكامل. ويعزّز ذلك وجود حكومة يمين صهيوني متطرف يخطط لإنجاز مشروع ضمّ الضفة وحسم الصراع في القدس وفرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى.
ويؤشر أداء المقاومة المتصاعد خلال الشهور الفائتة إلى تصميم متزايد لدى الشعب الفلسطيني ومجاميعه المقاومة على المضي قدمًا في إنجاز هدف دحر الاحتلال عن الضفة، رغم ما يعترض ذلك من تحديات ومعوقات كبيرة على صعيد المواجهة مع مؤسسة عسكرية قوية وشرسة وآلة قمع وحشية تسعى لكسر إرادة المقاومة وإجهاض طموحات وآمال الشعب الفلسطيني، وكذلك في مواجهة سياسة التنسيق الأمني والجهود الأمريكية والإقليمية لفرض التهدئة في الضفة وإنهاء حالة المقاومة التي باتت تشكّل هاجسًا مزعجًا للعديد من الأطراف.
وحركة حماس التي تقدّمت خلال الشهور الأخيرة لتقود حالة المقاومة في الضفة الغربية، وهو ما يبرزه تنفيذ جناحها العسكري لمعظم العمليات النوعية، لا شك أنها تدرك استعداد السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية للذهاب بعيدًا في مشروع التنسيق الأمني واستهداف المقاومين وملاحقتهم، وهو ما تؤشر إليه الاعتقالات التي شملت عددًا من المقاومين خلال الأسابيع الفائتة. 
وفي ظل التناقض الجذري بين برنامج السلطة المستند إلى مواصلة التنسيق الأمني مع الاحتلال بلا أفق سياسي، وبين مشروع المقاومة المتصاعد والساعي لدحر الاحتلال عن الضفة، من الواضح أن حركة حماس تدرك أهمية عدم توفير مبررات إضافية للمتطرفين والمحرضين في قيادة السلطة للدخول في مواجهة مفتوحة ومكشوفة مع المقاومة في الضفة تستنزف جهودها في صراعات جانبية تصرف بوصلتها عن المواجهة مع الاحتلال. 
ولا شك أن سياسة المرونة والانفتاح التي تعتمدها حركة حماس في التعامل مع السلطة تسهم في التبريد والتهدئة، وتُجنّب المزيد من الاستفزاز، وتُقلّل من فرص الاندفاع نحو مواجهات وصراعات غير مرغوبة، وتوفّر فرصة أفضل لتفكيك وتجاوز الأزمات والتوترات والاحتكاكات التي من شأنها أن تؤثر سلبًا في حالة المقاومة المتصاعدة في الضفة.

تجاوز الاستعصاء:
وفيما يتعلّق بالهدف الثاني (التقدّم نحو قيادة المشروع الوطني وفق برنامج المقاومة) يُلاحظ أن حركة حماس حققت نجاحات واضحة على طريق توفير مستلزمات ومتطلبات التقدّم خطوات مهمة لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني، سواء تعلّق الأمر بالشق السياسي أو الشعبي أو الميداني المقاوم. غير أن العقبة الكأداء ونقطة الاستعصاء الأساسية التي تواجه تحقيق المزيد من التقدّم على هذا الصعيد تتمثل في الموقف العربي والإقليمي والدولي المعاند الذي يحرص على اختزال الشرعية السياسية في قيادة السلطة الفلسطينية، ويسعى جاهدًا لقطع الطريق على أي خيارات أخرى، سواء تمثلت في قوى سياسية أو في أطر وطنية واسعة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقّدة يُلاحظ أن حركة حماس تسعى لتحقيق مزيد من النجاحات في مجال تعزيز منظومة علاقاتها الرسمية العربية والإقليمية والدولية، وتنظر إلى ذلك كأولوية ينبغي استحضارها كمحدد مهم لخياراتها ومواقفها وإدارة علاقاتها السياسية، وهو ما قد يُفسر انفتاحها ومرونتها العالية في التعامل مع قيادة السلطة، وتحمّلها الكثير من العنت والمصاعب والانتقادات في إدارة تلك العلاقة.  
حماس التي يبدو أنها وصلت إلى قناعة بأن الطريق غير سالك أمام إنجاز المصالحة وتوحيد الموقف الفلسطيني ولم تعد لديها رهانات أو أوهام بهذا الخصوص،  تدرك على ما يبدو أهمية تسهيل الأمر على العديد من الأطراف الإقليمية والدولية الراغبة بالانفتاح على الحركة دون الإضرار بعلاقتها مع قيادة السلطة الفلسطينية التي تُبدي حساسية عالية إزاء أي انفتاح عربي أو إقليمي أو دولي على حماس.  وقد بات الحديث عن الرغبة برعاية حوارات فلسطينية تنهي الانقسام، المدخل المناسب لكثير من الأطراف العربية والإقليمية والدولية الراغبة بالانفتاح على حركة حماس دون حرج أو افتعال أزمة في العلاقة مع السلطة الفلسطينية. 
وقد برز ذلك بوضوح في الموقف المصري والجزائري والسعودي والقطري والتركي والروسي، ويبدو أن  الصين في طريقها كذلك للانفتاح على حماس عبر بوابة الحوار الوطني الفلسطيني. في هذا السياق يمكن قراءة لقاء قيادة حماس الأخير مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يُرجّح أنه لم يكن ليتم دون أن يسبقه لقاء بين  حماس والسلطة برعاية تركية.
ومن الواضح أن حركة حماس تحقق جملة من الإنجازات والمكتسبات والمصالح المعتبرة من خلال سياسة الانفتاح والمرونة العالية في التعامل مع ملف المصالحة الوطنية وفي إدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية التي وصلت مستوى من الضعف والتآكل والتراجع الشديد في صورتها ورصيدها الشعبي يحرمها من القدرة على الاستثمار الجدّي في أي لقاءات استعراضية ترضي الغرور لكنها لا تغيّر شيئًا من واقع الحال. 
فإذا كان الحديث عن الاعتراف وتعزيز الشرعية السياسية الرسمية عربيًا وإقليميًا ودوليًا، لا تبدو السلطة بحاجة إلى تحقيق المزيد من ذلك، حيث إن العديد من تلك الأطراف باتت أكثر حرصًا من السلطة ذاتها على تعزيز وجودها والحفاظ على أدوارها الوظيفية، وأزمة السلطة الحقيقية هي في مكانتها وشرعيتها المتآكلة لدى الشعب الفلسطيني، والتي لا يوقف تراجعها لقاء هنا أو حوار هناك.

إنجازات إضافية:
إضافة إلى ما سبق، يبدو أن حركة حماس تحقق إنجازات مهمة أخرى من خلال سياسة المرونة العالية والإيجابية والانفتاح على السلطة. فهي من جهة تؤكد حرصها على تعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات، ورغبتها بتحقيق الشراكة الوطنية مع المجموع الوطني، بما في ذلك الأطراف التي تتناقض معها في الرؤية والبرنامج والموقف السياسي. 
وهي صورة من الواضح أن الحركة تسعى لإبرازها وتكريسها في ظل الجهود المحمومة للعديد من الأطراف الفلسطينية والخارجية لاتهامها بالتفرد والسعي للاستئثار والاستفراد والهيمنة على المشهد الفلسطيني وتكرار نموذج الحسم العسكري في قطاع غزة واستنساخه في الضفة الغربية، بل إن بعض القوى الفلسطينية المحسوبة على خط المقاومة باتت في الآونة الأخيرة تُبدي هي الأخرى حساسية تجاه تعاظم دور حماس وتزايد حضورها في المشهد الفلسطيني في مختلف ساحات الفعل الوطني؛ سياسيًا وشعبيًا وميدانيًا، ونشطت بعض تلك القوى للدعوة إلى تشكيل تيار أو قطب ثالث في الساحة الفلسطينية يحول دون تكريس هيمنة فتح أو حماس.
كما أن سياسة حماس المنفتحة والمرنة في إدارة العلاقة مع السلطة تقطع الطريق على  بعض الأطراف الفلسطينية والعربية التي تصرّ على تحميل حماس والسلطة مسؤولية متساوية عن استمرار الانقسام وإفشال جهود المصالحة. فقد ظهر جليًا وبالتجربة العملية خلال الفترة الماضية الطرف المتعنت الذي يُجهض جهود المصالحة ويتمسك بإدامة حالة الانقسام ويعطّل المؤسسات الوطنية من أجل الحفاظ على مكتسباته ومواصلة التفرّد والهيمنة على القرار السياسي.

خلاصة:
يظهر سلوك حماس رغبة جادّة بتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام وتوحيد الجبهة الداخلية في مواجهة مخططات اليمين الصهيوني المتطرّف التي دخلت حيّز التنفيذ، وتبدي الحركة استعدادًا للمزيد من المرونة وتقديم الاستحقاقات التي تسهم في تذليل العقبات التي تعترض توحيد الموقف الفلسطيني. غير أن تلك الرغبة لا تبدو كافية وحدها لتغيير الواقع القائم في ظل توجهات قيادة السلطة وأولوياتها وارتهاناتها السياسية والأمنية والاقتصادية. 
ويكشف أداء حركة حماس عن واقعية عالية، وتهديف استراتيجي، وحرص على مراكمة القوة وتحقيق الإنجازات، بمعزل عن الشعبوية المفرطة والمكتسبات الآنية التي تتبخّر سريعًا. ومن المرجّح أن سياساتها ومواقفها تصدر عن رؤية استراتيجية وحسابات معقّدة وتقدير دقيق للمصالح. 
هذه الخلاصة التي يمكن أن يستنتجها من يُقيّم، بموضوعية، الأداء السياسي لحركة حماس التي تبدو معنيّة في المرحلة الراهنة برسم صورة لنفسها، كحركة تحرّر وطني تقود مشروع المقاومة الشاملة مع الاحتلال باقتدار في مختلف ساحات الفعل والمواجهة، وتحرص في ذات الوقت على التعامل بمسؤولية وطنية عالية تُجنّب الشعب الفلسطيني دفع أثمان غير مبررة في مواجهات تستنزف قدراته وتّحمّله أعباءً هو في غنى عن تحمّلها.

اكتب تعليقك على المقال :