جورج فلويد الأمريكي الأسود القتيل والإسلام!!

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : د. علي العتوم

لستُ أدري لماذا كُلَّما ذُكِرَ اسم هذا المواطن الأميركي الزنجي وقد قتلتْه الشرطة الأمريكية قبلَ عدّة أسابيع في واشنطن بدمٍ باردٍ لشُبهةٍ تافهة, وقد بَقِيَ القاتلُ حاطّاً بحذائه الشُّرَطيّ الغليظ على عنقه لبضع دقائق يتشفَّى منه, حتى مات. أجل, لستُ أدري لماذا كُلَّما كان ذلك, يقفزُ سريعاً إلى ذهني اسمُ بلال بن رباح أو ابن حمامة, وهي أمّه العبدة الزنجية, وشَخْصُه ذلك الذي كان يوماً عبداً لأبي جهلٍ وفي رواية لأميّة بن خلف المشركَيْن يُعذِّبانه تعذيباً شديداً بعدَ إسلامه, حقداً عليه لتحوّله إلى الإسلام, ومن ثَمَّ اشتراه أبو بكرٍ رضي الله عنه وأعتَقَه لوجه الله سبحانه, فكانَ – كما روى هو نفسه – سابِعَ سبعةٍ سبقوا إلى الدِّين الحنيف, وأصبح فيه مؤذِّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم, مما يعني في اعتباري أوِ الاعتبار العامّ أولَ وزير إعلامٍ في الدولة الإسلامية؟!

إنَّ أمريكا تُعَدُّ في العُرف العالميّ اليوم ومنذ ما يقرب من قرنٍ من الزمان سيدّةَ العالَم وأعظمَ دولةٍ فيه, كما يُنظَر إلى حضارتها ومعها بناتُها أو أمّهاتها الدولُ الأوروبيةُ أعظمَ حضارةٍ تُعطِي للإنسان حريّتَه وتصون حقوقه وتحترم كرامته. وقد يكون في هذا الكلام – ولاسيّما على المستوى الدنيويّ, ومقارنةً بغيرها من دول العالَم في هذا العصر الجاهلي – شيءٌ من الصحة والواقع, ولكنَّ هذه الدولةَ العظمى وشقيقاتها, لم تستطعْ – مهما حاولت وادَّعتْ – أنْ تتخلَّصَ في مفاهيمها وأفكارها من عقدة الرجل الأبيض, أوِ العنصر الرومانيّ المميّز والذي تجري في عروق أهله الدماءُ الزرقاءُ!!

وما زالت – هي ومَنْ لفَّ لفَّها على عِظَمِ ما وصلتْ إليه في هذا العصرعصر التنوُّر والتطوُّر من قوانين رفيعةٍ وعلومٍ دقيقةٍ ومخترعاتٍ عجيبةٍ, وإنشاء الجمعيات والمؤسسات العالمية التي أوجَدَتْها, لحفظِ حقوق الإنسان كما تدّعي – تُفرِّقُ في النظرة والتقدير والاحترام والاعتبار بين البيض عندها الذين ولدتهم السماء الزرقاء والسود من مواطنيها الذينَ ولدتْهم في عُرْفِها, الأرض الغبراء!!

ولقد حاولت أمريكا وما فتئت – ومنذ أكثر من ثلاثة قرون – التحرُّرَ من هذه النزعة القيصرية البغيضة على يدِ بعض رؤسائها الكبار كإبراهيم لينكولن وغيره, فتقدَّمتْ في المسألة بعضَ الشيء, ولكنَّ هذه النقيصة الكبرى بَقِيَتْ تُرافقها إلى الآن, وقد أشارَ إليها في مذكِّراته: (لماذا لا ننشد الأفضل) أحد كبار رؤسائهم جيمي كارتر. والسببُ في ذلك أنَّ منطلق هذه الدولة وأُمِّها الأوروبية في الأصل رومانيّ النزعة. وهي نزعةُ الكبرياء التي رافقتْها عنصراً وجنساً منذ القِدم, ولم تستطعِ الديانةُ النصرانيةُ على سماحتها, أنْ تُغيِّرَ منها أو تُخفِّفَ من غلوائها, لأنّهم لم يأخذوها بمضمونها السلميّ ومحتواها الوُدِّي, إنما أخذوها شكلاً ظاهراً, دونَ أنْ تتغلغلَ إلى أعماقهم, وتدخُلَ في سلوكياتهم وأخلاقهم, حتّى إنَّ مَنْ دعا منهم إلى التحرُّر من تلك النزعة الجاهلية المقيتة, كان الأغلبُ من جهده وتوجّهه مقصوداً به الاستقطاب الذاتي في الانتخابات النيابية وغيرِها, شأنهم في ذلك شأن مهاجر أمّ قيس, عندنا!!

إنَّ الذي يُغيِّر الأُمم – كما يقول أهلُ الهندسة – مئةً وثمانينَ درجة, هي الأفكار والمعتقدات أو بتعبيرٍ آخرَ المبادئُ والمنطلقات. فعندما انطلقَ العربُ – أهلُ العصبية الجاهلية والديانةِ الوثنية والتفاخر القَبَلِيّ بالأنسابِ والأحساب, من قوله تعالى: (إنّا خلقناكُمْ من ذكرٍ وأُنْثَى) و (من نَفْسٍ واحدةٍ). فلا فَخْرَ لأحدٍ على أحدٍ في العرق, كما قال سبحانه: (إنَّ أكرمكم عندَ اللهِ أَتْقاكُم), وقال رسولُه الكريم: (كُلُّكُمْ لآدم, وآدم من ترابٍ) – اجتمع الناسُ على كلمةٍ سواء: إخوةً أحبّةً عرباً وفُرْساً وروماً وبربراً وكُرْداً وهنوداً وصينيِّينَ وتُرْكاً ومَنْ إليهم, بل إنَّ بعض الأعجام سبقوا أبناء الأكرمين من العرب لسبقهم إلى الإسلام وتقواهم, إذْ يُصبِح بلال مؤذِّن الرسول صلى الله عليه وسلم, والمُعلِم به الناس, ويُؤْذَنُ له بالدخُول على عمر قبل جهابذة القرشيِّين أهل الأحساب والأنساب كأبي سفيان وصهيب بن عمرو وغيرِهما, إذْ سبقوا إلى الإسلام فسبقوا بالدخول على أعظمِ حاكمٍ في الأرضِ!!

وهذا بلال عينُه رضي الله عنه, يرجوه عمر في خلافته أنْ يُؤذِّنَ له كما كان يُؤذِّن لرسول الله صلى الله عليه وسلّم, فيُؤذِّن إكراماً له ولرسوله, وإلاّ امتنعَ, ذاك الذي كان بالأمسِ العبدَ الأسودَ الزنجيَّ ابن حمامة الذي كان يجرّه صبيان قريش برُمّةٍ ويذهبونَ به أنّى شاؤوا, امتهاناً له واستخفافاً به, ولكنَّ الإسلامَ يُحرِّره ويجعلُ له هذه المنزلةَ العظيمةَ, حتّى إنَّ عمرَ – وفي روايةٍ عليّاً – عندما سُئِلَ عن أبي بكر, قال: إنّه سيدنا وأعتقَ سيدنا أيْ بلالاً الذي أصبحَ بالإسلامِ الذي لا يُفرِّقُ في شرعه بينَ أبيضَ وأسودَ إلاّ بالتقوى, سيِّدَ عمر الفاروق أو عليَّ ابنَ عمِّ رسول الله, بل إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم, ليقول له يوماً – مستغرباً ومُكرِّماً في الوقت ذاته, وقد سَمِعَ دَفَّ نعلَيْه قبله في الجنّة -: (بِمَ سبقتني إلى الجنّة يا بلال, فقد سمعتُ قَرْعَ نعالِكَ في الجنّة وأنا أدخُلُها)!!

نعم, لقد أصبحَ من السودِ في أمريكا زعيمٌ يسودُها كما كان الشأن بالأمسِ القريب, هو باراك أوباما الذي يعودُ لأصولٍ إفريقية زنجية, وصحيحٌ أنَّ عدداً كبيراً من البيض خرجوا في أمريكا مع السود في مظاهرات يستنكرونَ قَتْلَ جورج فلويد هذا ولعدّة أيّامٍ أو أسابيعَ وفي عدّة ولايات, وصحيحٌ كذلك, أنَّ مثلَ هذه المظاهرات الاحتجاجية قامت في بلاد أوروبا إنجلترا وغيرها بيضاً وسوداً, ولكنَّ هذه النظرةَ العنصرية التفريقية في أمريكا وغيرِها ما بَرِحَتْ قائمةً لم تتغيَّر, بل ما زالت فاشيةً في الكتب والواقع والنفوس والنظرات العدائية, لأنَّ أولئكَ يفتقدونَ الانطلاقَ السليمَ من عقيدةٍ يتعبّدونَ اللهَ بها كما في الإسلام, ثُمَّ إنَّ خروج الكثير من البيض مع السود كان من أسبابه فقاعة العنصرية المُبَغَّضة إلى النفوس الإنسانية عامّة, كما أنَّ بعضها عائدٌ لكُرههم لترامب نفسه, بسبب نظرته العنصرية وسياسته الاستبدادية.

ولقد بانت عنصرية ترامب في هذا الحادث, في أنّه قلَّلَ من شأنه واستخفَّ بعاقبة تداعياته, ولجأَ إلى الأسلوب الأنسب في رأيه لمعالجة المظاهرات الناشئة جرّاءَه من قطاعاتٍ كبيرة من الشعب الأمريكي سوداً وبيضاً على السواء, إذِ اختارَ المعاملةَ الساخنة على غيرها للتصرُّف معه, فأنزلَ قطاعاتٍ كبيرةً من الجيش والشرطة المُدجَّجة بالسلاح, ولاسيّما القوات الخاصّة منها, وطلبَ من الجميع أنْ يردُّوا بكُلِّ قوّةٍ وعنفٍ على هذه المظاهرات وتلك الاحتجاجات, إلى أنْ خَفَّتْ وطأتُها, وبالتالي انتهت خوفاً من قعقعة السلاح ولعلعة الرصاص. 

إنَّ مبادئ الإسلام السَّمْحة هي التي أنشأت الحضارة السَّمْحة, وسادت بين المواطنين داخل الدولة الإسلامية وغير مسلمين وعلى مختلف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم ولغاتهم وأديانهم, ولم تُفضِّل أحداً على أحدٍ إلاّ أنْ يكونَ أكثرَ تقوى وخدمةً لبلده وإخلاصاً لمجتمعه, فكان يلتقي في هذا المجتمع من المسلمين الزنجيّ الإفريقي كبلال والفارسيّ ابن الملوك كسلمان مع الرومي الشاعر المبدع كابن الروميّ والفقيه اللغويّ اللوذعيّ كابن جِنِّي والفقيه العلاّمة كأبي حنيفة النعمان, والقائد العظيم الكردي كصلاح الدِّين والتركي الفاتح كالسلطان سليم والبربري الغازي كطارق بن زياد مع إخوانهم العرب المسلمين كعمر وخالد والشافعي والمتنبي وهارون الرشيد وموسى بن نُصَير وأضرابهم. فالإسلامُ بسماحته أوجَدَ العظماء من أصحاب الجنسيّات الأُخرى من الموالي والمماليك وذلك أثناء فتحه البلادَ الأجنبية وإقامة حكمه فيها. فلم يقتلْهم أو يقمعهم – كما فعلت أمريكا بالهنود الحمر أو بالسود أو بريطانيا بالأبروجينيز في أستراليا – إذ كان لهم ما للعرب وعليهم ما عليهم.

وكانَ الإسلامُ جِدَّ حاسمٍ وحازِمٍ في النظر إلى هؤلاء الأجانب من الإسلام في الجنس والعِرق واللغة والدِّين, إذْ لم يسمحْ بأيةِ حال وعلى أيِّ مستوى أنَّى كان ضئيلاً بازدرائهم أو النظر إليهم نظرةَ دُونٍ. فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلّم لأبي ذرٍّ وهو من كبار الصحابة وأفاضلهم – لمّا سمعه يقول لبلال: يا ابن السوداء -: إنّكَ امرؤٌ فيكَ جاهلية, طَفَّ الصاعُ طفح الكيل, ليسَ لابن البيضاء فضلٌ على ابنِ السوداء إلاّ بالتقوى, مما جعلَ أبا ذر وبالسرعةِ نفسها يذهبُ إلى بلالٍ فيعتذرُ له من مجرّد هذه القولة. كما أوصى صلى الله عليه وسلّم في الحكم وغيره بطاعة الحاكم الصالِح, ولو كان عبداً حبشيّاً كأنَّ رأسَه زبيبة. هكذا كانت مبادئُ الإسلام مع التطبيق, وهكذا هو, ما زالت قواعده كذلك سليمة طاهرة وستبقى, داعيةً أولياءَ الأمور فينا إلى إخراجها إلى حيِّز التنفيذ حتّى تعودَ الأُمّة إلى سابق عهدها أعظمَ أُمّةٍ ذاتِ أشرفِ حضارة, وعليها وحدَها إنقاذُ البشرية مما تُعانيه من قَبَلِيّةٍ جاهليّةٍ أو عنعناتٍ عنصريةٍ ومما تُمارسه من ظلمٍ وإرهابٍ وبطشٍ واستبدادٍ. وإنّني في الوقتِ نفسه لأدعو اليومَ البشرية كُلَّها على ضوء الضلالات التي تعيشها في خِضَمِّ الحضارة الغربية الفاسدة, أنْ تعودَ إلى الله فتعتنق الإسلام نظامَ حُكْمٍ ومنهاجَ حياةٍ, حتّى تُعتِقَ نفسها من فسادها وانحرافها.

هذا وقبلَ أنْ أضعَ القلمَ, أُرِيدُ أنْ أُشيرَ إلى أنّني في هذا المقال أُدافِعُ عن الفكرة العامّة, وأستنكِرُ ما تنظرُ به أمريكا إلى هذا الزنجيّ وأمثاله من عنصريّة, والأسلوبَ الفَجَّ الذي عُولِجَتْ به مشكلتُه, والطريقةَ التي أُنهِيَتْ حياته بها, وإلاّ فإنّني أعلَمُ من الأخبار, أنَّ فلويد هذا صاحب أسبقيّات عديدة, وجرائر شنيعة …

اكتب تعليقك على المقال :