جدلية الفائدة والتضخم بين لاجارد وباول

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : حازم عياد

يتفق كل من ديفيد مالباس مدير البنك الدولي، وكريستالينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي على أن رفع الولايات المتحدة سعر الفائدة أبطأ تعافيَ الاقتصاد العالمي من جائحة كورونا.

لم يتجاهل المسؤولان في اللقاء الذي نظمه مالباس مدير البنك الدولي تحت عنوان “الاستجابة للصدمات وإدارة حالة انعدام اليقين”، تداعيات الحرب الاوكرانية، ودورها في الانتكاسة الاقتصادية والتضخم الذي بات عالميا؛ بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتعطل سلاسل التوريد.
مالباس وجورجيفا دعيا الولايات المتحدة للجوء الى طرق وأدوات مالية واقتصادية بديلة عن رفع سعر الفائدة على الدولار، كمعالجة البطء في إجراءات تحصيل الضرائب، والتعاون بين مدراء البنوك المركزية، وهو الأمر الذي تجاهله مدير الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول.

فالمسؤولان الدوليان مالباس وجورجيفا حذرا من ارتدادات السياسة النقدية الامريكية على الاقتصاد العالمي؛ برفع خدمة الدين للدول الفقيرة والنامية، وإبطاء النمو وانكماشه في بعض الدول؛ إذ ستعاني 140 دولة تمثل 60% من حجم الاقتصاد العالمي من آثار هذه السياسات؛ ما يعني أزمةً تتطلب تأجيل سداد خدمة الدين لمعالجة الآثار الكارثية للحرب الأوكرانية، وارتفاع قيمة المديونية التي تطرق أبواب بعض الدول بقوة، بحسب جورجيفا مسؤولة صندوق النقد، عارضة سيرلانكا كمثال على ذلك.

النقاش لم يقتصر على المسؤولين في صندوق النقد والبنك الدولي، ففي اللقاء الذي جمع كلًّا من: محافظ البنك المركزي الاوروبي كريستنا لاجارد، ورئيس الاحتياطي الامريكي جيروم باول، إلى جانب مديرة صندوق النقد جورجيفا، ظهرت الجدلية بشكل أكثر وضوحًا وقوة؛ فالمسؤولة الاوروبية لاجارد وفي إطار ردها على الحجج والدوافع الامريكية لرفع الفائدة، أكدت ان ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يتحمل مسؤولية الارتفاع في نسب التضخم في القارة الاوروبية بنسبة 50%، وأن التضخم الذي بلغ 7.5% ويتوقع ان يبلغ 14% نهاية العام الحالي يمكن ان ينخفض الى 3% في حال انخفضت أسعار الطاقة والغذاء، معتبرةً ذلك بديلًا للسياسات المتبعة من قبل جيروم باول، مُعوِّلة بذلك على إيجاد حل للازمة الاوكرانية، أو إيجاد بدائل وحلول لأزمة الطاقة التي باتت ضاغطة على القارة الاوروبية، سواء في معدلات التضخم أم النمو.

جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي من ناحيته اكد ان بلاده متمسكة برفع معدل الفائدة، وصولًا الى معدلات تضخم 2.5% كحد أدنى، وهو بذلك يُرَحِّل ويَنقل أزمة الدولار والتضخم في أمريكا لتصبح أزمة عالمية، دون مراعاة للخسائر والأضرار التي ستحل بالدول النامية والفقيرة التي يُعوِّل باول على السياسات النقدية، والقروض المقدمة من صندوق النقد والبنك الدولي لمعالجتها، الى جانب المساعدات، وإعادة الجدولة، أو حتى تأجيل خدمة الدين، إلا أنه أكد أن بلاده لن تلجأ الى أدوات مختلفة كالضرائب وغيرها.

الخلاف الاوروبي الامريكي ومسارات التعامل مع الازمة تتباين -بحسب لاجارد- بتباين الأسباب والتحليل لواقع الأزمة وتفاعلاتها؛ ما يحد من فرص التعاون بين اوروبا وامريكا في الأدوات المالية المُثلى للتعامل مع تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع نسب التضخم. تعاونٌ ينزع صفة التفرد الامريكي والاستقلال المالي، وهو ما ترفضه أمريكا بكامل مؤسساتها!

خلافٌ امتد أثره ليشمل التباينات والانقسامات الحادة بين اوروبا وامريكا حول فرض المزيد من العقوبات على النفط والغاز الروسي، والأهم من ذلك الميول الأوروبية القوية للوصول الى اتفاق سريع مع إيران في الملف النووي، يُسرِّع تدفق النفط الإيراني الى الاسواق العالمية، ويحد من ارتفاع أسعار الطاقة.
خلافٌ جيوسياسي، ولكنه يعكس قدرًا من الأنانية الامريكية، والنزعة للتفرد، والقيادة التي لا تحمل في مفرداتها أيًّا من معاني القيادة الجماعية حتى مع شركائها الأوروبيين، وحلفائها في الناتو.

ختامًا..
ما يعنينا من هذه الجدلية ان الحلول المالية المقترحة تختلط كما هو واضح بالحلول الجيوسياسية، لمعالجة إشكالات الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد في الآن ذاته، والتي باتت مرتبطة أشد الارتباط بالأزمة المالية في أمريكا، وبالحرب الأوكرانية في أوروبا، وبالصراعات والحروب في الخليج العربي والبحر الاحمر وشرق المتوسط  وإفريقيا، حلقة ستقود الى استعادة المنطقة العربية لأهميتها كمنطقة تتصارع عليها الأمم، أو كمنطقة تصارع لتجد مكانها بين كل تلك الأمم!

اكتب تعليقك على المقال :