“بايدن” والسياسات المرتقبة تجاه الأردن والقضية الفلسطينية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : عاطف الجولاني

إذا تجاوزنا مقولة “وجهين لعملة واحدة” يرجح أن ينعكس فوز جو بايدن في انتخابات الرئاسة على التوجهات الأمريكية تجاه العديد من الملفات الإقليمية. فإلى أي مدى سيؤثر فوز بايدن على السياسات الأمريكية تجاه الأردن والقضية الفلسطينية ؟ 
أردنياً، لا يتوقّع أن يطرأ تغيّر جوهري على السياسات الأمريكية تجاه العلاقة مع الأردن التي يدرك الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، على حدّ سواء مدى أهمية استمرارها وتعزيزها، ولا يبدو الأمر موضع خلاف بين الطرفين، وهو ما أكدته معطيات السنوات الماضية. 
فرغم الاندفاع الشديد لإدارة ترمب لتمرير صفقة القرن، فإن الموقف الأردني القوي الرافض لتنفيذ خطة ضم الأغوار ومستوطنات الضفة للسيادة الإسرائيلية، أثّر بشكل قوي في موقفها ودفعها لإعادة النظر في المضي قدماً بتنفيذ الخطة، وتسبب بتأجيلها. 
لكن ذلك لا ينفي حصول خلافات وتباينات في الرؤية والموقف السياسي بين الأردن وإدارة ترمب تجاه ملف المفاوضات وحلّ الدولتين والقدس وسياسة الاستيطان ووكالة (الأونروا). غير أن تلك التباينات لم تؤثر في حجم المساعدات الأمريكية المقدّمة للأردن، بل تمت زيادتها في عهد الرئيس ترمب.  
ويرجّح خلال إدارة بايدن أن تتراجع التباينات في الموقف السياسي بين الأردن والولايات المتحدة بشكل ملحوظ تجاه القضية الفلسطينية، مع استمرار التباينات التقليدية في مواقف الطرفين تجاه جملة من القضايا.
ومن غير الواضح حتى اللحظة كيف سيتأثر ملف الحريات والإصلاح السياسي في الأردن وغيره من الدول العربية بالتغيير المرتقب في الإدارة الأمريكية. فإدارة ترمب أعطت خلال السنوات الأربع الماضية ضوءاً أخضر لمختلف حكومات المنطقة للتصرف كما يحلو لها في ملف الحريات وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي، ولم تضع ذلك ضمن جدول أولوياتها واهتمامها. 
ويستدعي الأمر الانتظار بعض الوقت للتعرّف على توجهات إدارة بايدن تجاه هذا الملف، لكن المرجح أن لا تختلف كثيراً عن توجهات إدارة أوباما الديمقراطية التي تراجعت عن كثير من توجهاتها لنشر الإصلاح ودمقرطة المنطقة التي طرحتها في بداية ولايتها، حيث جرى في عهدها الانقلاب على ثورات الربيع العربي. 
على مستوى القضية الفلسطينية، كانت الفلسطينيون الخاسر الأكبر خلال السنوات الأربع الماضية من حكم ترمب بتوجهاته المندفعة التي وصلت حد التطرّف والجنون. حيث تفرّد اليهودي الأمريكي وصهر الرئيس جاريد كوشنر بهندسة ورسم ملامح السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية وجرى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعترف بها ترمب عاصمة لـ (إسرائيل)، كما تم إقرار “صفقة القرن” في غياب الفلسطينيين، وخطة الضم كانت هي الأخرى في طريقها للتنفيذ بدعم أمريكي لولا بعض المعوقات، كما مارست إدارة ترمب ضغوطاً شديدة وعملية ابتزاز مكشوفة لتطبيع العلاقات بين دولة الاحتلال وعدد من الدول العربية، وتم وقف المساعدات الأمريكية السنوية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) تمهيداً لشطب حق العودة، وأغلقت مكاتب تمثيل منظمة التحرير في الولايات المتحدة. 
جملة من الإجراءات شديدة العداء للفلسطينيين، هدفت إلى حسم الملفات المهمة في القضية الفلسطينية خلال ولاية ترمب، فهل يعيد بايدن النظر في تلك الإجراءات؟ 
من غير المرجّح أن تتراجع إدارة بايدن عن خطوة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس التي باتت أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه، لكن النقاش قد يتمحور في الفترة القادمة حول الموقف الأمريكي من وضع القدس، في أي مفاوضات سياسية قادمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
من جانبها ستتشبث (إسرائيل) بمضامين صفقة القرن التي انحازت بالكامل لمواقفها تجاه مختلف قضايا الحل النهائي، لكن إدارة بايدن التي يرجّح أن تتبنى مجدداً حل الدولتين وأن تكون معنية بإعادة إطلاق المفاوضات تدرك صعوبة تحقيق ذلك استناداً إلى صفقة القرن المرفوضة بالمطلق من الفلسطينيين. وما بين التشبث الإسرائيلي بصفقة القرن والرفض الفلسطيني المطلق لها ستجد إدارة بايدن نفسها أمام تحدٍ صعب في مسار تفاوضي منتج.
أما بخصوص خطة ضم غور الأردن ومستوطنات الضفة للسيادة الإسرائيلية، فيرجّح أن تعود إدارة بايدن لتبني الموقف الأمريكي التقليدي الرافض لسياسة الاستيطان، ما يضع عقبات مهمة أمام الخطة، لكن السؤال المهم: ماذا إذا قررت الحكومة الإسرائيلية المباشرة بتنفيذ الضم من طرف واحد وبمعزل عن الموافقة الأمريكية؟ تحدٍ آخر ستواجهه إدارة بايدن حال حصوله. 
ملف التطبيع، ليس موضوعا خلافياً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكن الأمر خلال الشهور الأخيرة من ولاية ترمب تجاوز حدود تأييد (إسرائيل) وتشجيع العرب على تطبيع علاقاتهم معها، ليصل حدّ الابتزاز وممارسة ضغوط شديدة غير محتملة على عدد من الدول العربية للالتحاق بركب التطبيع، والسودان شاهد واضح على ذلك. وأغلب الظن أن إدارة بايدن ستواصل تشجيع الدول العربية المترددة على تطبيع علاقاتها مع (إسرائيل) لكن بعيداً عن منطق الضغط والابتزاز والتهديد.
وفيما يتعلق بقرار ترمب وقف المساعدات الأمريكية لوكالة (الأونروا)، يرجّح أن تعيد إدارة بايدن النظر في القرار، لا سيما في ظل تمسك مختلف الأطراف الدولية والإقليمية باستمرار الوكالة، وفشل المساعي الأمريكية لإنهاء عملها. نفس الأمر ينطبق على مكاتب منظمة التحرير في الولايات المتحدة، فمن شأن إعادة فتحها أن يعيد الدفء إلى العلاقات مع السلطة الفلسطينية ويتيح المجال لبحث استئناف المسار التفاوضي.
لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه في ظل توقّع عودة العلاقات بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية إلى سابق عهدها هو: كيف سيؤثر ذلك على ملف المصالحة بين حماس والسلطة الذي نشط بصورة ملحوظة خلال الشهور الفائتة وقطع أشواطاً مهمة على طريق إنهاء الانقسام؟
من الواضح أن شعور الفلسطينيين بالخطر الذي تتعرض له القضية الفلسطينية في ظل صفقة القرن وخطة الضم وهرولة الدول العربية نحو التطبيع والسياسات المتشددة للإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية اليمينية، قد لعب دوراً مهماً في تشجيع الفلسطينيين على السعي لتوحيد الموقف الفلسطيني وإنهاء حالة الانقسام. 
والمأمول أن تتواصل جهود الفلسطينيين لإنهاء الانقسام وتوحيد الصفً، لأن صلابة الموقف الفلسطيني هي الضمانة الأساس والأهم لحماية الحقوق الفلسطينية والتصدي للأخطار التي تحدق بالقضية. فاليمين الإسرائيلي بتوجهاته المتطرفة ما يزال مسيطراً على مقاليد السلطة في دولة الاحتلال، والتطبيع العربي الذي قطع شوطاً مهماً سيتواصل وسيشكل خطراً على مستقبل القضية، وتجاوز الانقسام مصلحة فلسطينية ذاتية بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية. 
باختصار، يرجح أن تعيد إدارة بايدن السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية وقضايا المنطقة إلى سياقها التقليدي المعهود، وهو سياق منحاز لصالح (إسرائيل)، لكن ضمن حسابات سياسية، وبعيداً عن الجنون الذي اندفعت نحوه إدارة ترمب.

اكتب تعليقك على المقال :