الوصية الواجبة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : كاظم عايش

بعد الستين، لا بد من كتابة الوصية، والفقراء أمثالنا لا يحتاجون الى كتابة وصايا ذات صلة بالمال، إلا إذا كان الأمر يتعلق بالديون وسدادها، وغالبا ما لا تلقى وصايا الفقراء اهتماما بخصوص المال والديون، لأنه لا أحد يرغب بوراثة الدين، ولا بسداده، وتبقى وصايا الفقراء نصائح لمن بعدهم، وتجربة قد يستفيد منها البعض، وتحضرني قصة طريفة لأحدهم وهو يريد أن يتمثل مسألة الوصية ويقلد فيها من سبقه من الذين أوصوا من بعدهم، فنادى ولدا له، وقال أريد أن أوصيك. فأجابه الولد الشارد، يا حاج أنت توكل على الله ونحن نتدبر أمرنا، جيلك يا حاج ضيع فلسطين، وحملنا مديونية لا نقدر عليها، وفساد له أول وليس له آخر، وحالة من الفقر لا نحسد عليها، فبماذا ستوصينا، أنت توكل على الله ونحن نعرف ما سنصنع. فما كان من الشيخ إلا أن سب ابنه وغضب عليه.

ترددت كثير وأنا استحضر هذه القصة، فهي رغم قسوتها وسماجتها، إلا أنها تحمل دلالات كبيرة، وأسئلة تستحث التفكير.

هل حقا أن جيلنا فرط بمسؤولياته ؟ وهل نتحمل مسؤولية ضياع فلسطين ؟ وهل نحن مسؤولون عن الفقر والمديونية والبطالة وكل الفساد المستشري في مجتمعاتنا؟؟؟

صحيح أن كل جيل مسؤول عن زمنه، عما أصاب وعما أخطأ، وهي مسؤولية مؤكدة، وصحيح أيضا، أن الانسان مسؤول عن نفسه وعن مواقفه وعن دوره، وليس مسؤولا عما يفعله الآخرون، ولكن النتيجة التي يصل اليها المجتمع لا شك أنها مسؤولية الجميع، وأن الجميع متورط بشكل أو بآخر في القضية، ولا يعفى من المسؤولية لا مفرط ولا ساكت ولا مقصر، ولا حتى عاجز مستضعف.

مسؤوليتنا في زماننا، أن نقول الحق، ونتواصى به، ونعمل على إحقاقه، ليس مطلوب منا أكثر مما نقدر عليه (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، (فاتقوا الله ما استطعتم)، (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ولكن هذا الوسع وهذه الاستطاعة تختلف من شخص لآخر، وتقديرها يحتاج إلى صدق وأمانة وخبرة، وهنا يكمن جوهر الوصية التي نحن مطالبون بها لأجيال قادمة، فبعد تجربة هذه السنين، وخلاصة العمر والجهد، يجب أن نقول الحق والصدق ولا نحيد عنه، يجب أن ننصح من كل قلوبنا، ويجب أن نعترف بأخطائنا، وما أكثرها، ويجب أن نتحلى بالجرأة المطلوبة، فبدونها لا تصح الأمور، ولا تتجلى الحقائق، ولا تستفيد الأجيال.

وهل نجرؤ أن نقول الحقيقة ونحن على وشك أن نغادر ؟، هل نجرؤ على الحديث عن أخطائنا؟، ونكشف مواقفنا الضعيفة والتي كانت دوافعها شخصية ومصلحية، وليست مصلحة أمة ووطن ومجتمع؟؟؟.

البعض يتذرع بمقولة الستر، فلا ينبغي أن نفضح أنفسنا وقد سترنا الله، وهذا ينطبق على المسائل الشخصية والذنوب التي لا تتعدى الشخص الى غيره ولا الى مجتمعه، أما الاخطاء التي ترتب عليها ضرر عام، فلا ينبغي لأحد أن يتستر عليها، لأنها من تضييع الأمانة التي حذرنا الله من ارتكابها، وأمرنا أن نؤديها الى أهلها.

لا ننتظر من الذين ارتكبوا الكبائر في عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد أن يكتبوا لنا وصايا نستفيد منها، فهؤلاء آثروا الحياة الدنيا، وباعوا آخرتهم بدنياهم، ولذلك هم لا يقولون الحق، ولا يريدون الخير لا لأنفسهم ولا لأمتهم، ولن يعترفوا بما فعلوا، هؤلاء لن نعرف ما صنعوه تفصيلا إلا يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.

ننتظر أن يكتب الصادقون المخلصون، الذين عاشوا لأجل دينهم وأمتهم وأوطانهم، الذين يحرصون أن تلحق بهم آثارهم بعد موتهم، الذين يحبون الخير للأجيال التي تليهم كما أحبوها لأنفسهم، هؤلاء هم الذين يقولون كلاما يستفاد منه، ويوصون بخير تستفيد منه أمتهم، هؤلاء هم الذين يجب أن يكتبوا وصاياهم قبل أن يموتوا، ويتحللوا من مسؤوليات كانت في رقابهم، وهؤلاء يجب أن يقولوا الحق ولو كان مرا، ولو كان يغضب الكثيرين ممن كانوا السبب في مصائبنا.

اكتب تعليقك على المقال :