المقاومة في الضفة الغربية.. مساراتها وآفاقها

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : ساري عرابي

تعالج هذه الورقة واقع المقاومة في الضفة الغربية، بقراءة المسار الخاص بموجة المقاومة الجارية، ثم أخذ هذه الموجة في سلسلة الموجات والهبّات المتتابعة منذ سنة 2014، وعلى ضوء ذلك تقيّم هذه الموجة بوصفها غير منعزلة عن مسار كفاحي أطول وسياق أوسع، وهو ما يستدعي النظر في عوامل التثوير والتعزيز لحالة المقاومة، والتي تلخّصها الورقة في أربعة عوامل مركزية، للانطلاق منها لتصوّر آفاق المستقبل بعد أخد عوامل التثبيط بعين الاعتبار.

وتلخّص الورقة عوامل التثبيط في أربعة عوامل، لتصنع من ذلك نموذجاً تحليلياً يتوقع سيناريوهات المقاومة في المرحلة المقابلة، بحصر هذه السيناريوهات في ثلاثة، أرجحها أن تستمر المقاومة في موجات أخرى تأخد أشكالاً متنوعة تنسجم موضوعياً مع المسار الطويل لموجات المقاومة منذ ثمانية أعوام، دون التحوّل إلى انتفاضة واسعة، لغياب الشرط الموضوعي الأهمّ للانتفاضة الواسعة، إلا إذا حصلت مفاجآت أسهمت سريعاً في توفير هذا الشرط، وهو موقف السلطة الفلسطينية، بينما تستبعد الورقة سيناريو التوقف الكامل لموجات المقاومة؛ ثم تختم الورقة بتلخيص السياسات المتوقعة لأهمّ الفاعلين في المشهد؛ حكومة الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية، مع توصيات على ضوء ذلك.

أولاً: في مسار موجة المقاومة الجارية:

تذهب هذه الورقة، إلى كون موجة المقاومة الجارية في الضفة الغربية، حلقةً من سلسلة ممتدة منذ سنة 2014، بيد أنّه يمكن الحدث عن هذه الموجة بوصفها تابعة لأحداث أيار/ مايو 2021، وما تضمنته مما عُرِف فلسطينياً باسم “معركة سيف القدس”، ففي حين بلغت أعمال المقاومة في الضفة الغربية والداخل المحتل سنة 1948 بما في ذلك القدس 592 عملاً مقاوماً، في شهر أيار/ مايو 2021،[2] الشهر المركزي في الأحداث المذكورة، فإنّها كانت قد عادت في شهر تموز/ يوليو 2021، إلى 141 عملاً، وذلك في حين أنّها كانت قد بلغت في نيسان/ أبريل 2021، 104 أعمال، وفي أيلول/ سبتمبر من 2021 تصاعدت أعمال المقاومة في الضفّة الغربية والقدس إلى 241 عملاً، كان منها خمس عمليات طعن، وعملية دعس، وتسع عمليات إطلاق نار، أفضت إلى ستة جرحى إسرائيليين. ظلت العمليات تتأرجح في حدود الـ 140 عملية، مع حصول عمليات نوعية، ذات أثر، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أصيب شرطي إسرائيلي بعملية دعس، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 قتل إسرائيلي وأصيب ثمانية آخرون، في سلسلة عمليات إطلاق نار وطعن وإلقاء زجاجات حارقة، كذلك قتل إسرائيلي وأصيب ستة جرحى في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2021 في عمليات إطلاق نار وطعن، لترتفع أعمال المقاومة من حيث الكمّ في شباط/ فبراير 2022 إذ بلغت 187 عملاً، ثم لتأخذ منحنى أكثر تجذّراً مع آذار/ مارس 2022، بحيث يمكن عدّ هذا الشهر مدخل تبلور هذه الموجة الجارية.

أوقعت عمليات آذار/ مارس 11 قتيلاً إسرائيلياً و27 جريحاً في 10 عمليات، من أصل 190 عملاً مقاوماً، وفي حين أنّ عمليتين نفذّهما فلسطينيون من الداخل المحتل (في النقب، وفي الخضيرة من أم الفحم)، فإن عملية وقعت في “بني براك”، نفذها ضياء حمارشة المتسلل من قرية يعبد قضاء جنين إلى قلب الكيان الإسرائيلي، وقد انعكس هذا الفعل المقاوم في عدد أعمال المقاومة في شهر نيسان/ أبريل إذ بلغت 259 عملاً مقاوماً، أفضت إلى 4 قتلى إسرائيليين و11 جريحاً آخرين، في 6 عمليات بين إطلاق نار وطعن، وكان أبرز هذه العمليات عملية إطلاق نار في “تل أبيب” أدت إلى 3 قتلى و6 جرحى، وكانت أهميتها الخاصة ليس فقط من كون منفذها رعد حازم قد تسلل من جنين إلى “تل أبيب” فحسب، ولكن كون والده فتحي حازم قد صار تالياً رمزاً معنوياً لحالة المقاومة في الضفة، ولا سيّما وأنه ودع شهيداً آخر من أبنائه وهو عبد الرحمن في أيلول/ سبتمبر 2022 في أثناء اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين.

في أيار/ مايو 2022، سقط كذلك 4 قتلى إسرائيليين، وأصيب 6 آخرون بجراح، في سلسلة عمليات طعن وإطلاق نار، من أصل 208 أعمال مقاومة، كان أبرزها عملية طعن في مستوطنة إلعاد Elad في الداخل المحتل، نفذها الفلسطينيان أسعد الرفاعي وصبحي صبيحات المتسللان من قرية رمانة قضاء جنين، إلى المستوطنة المذكورة، وعملية إطلاق نار نفذها قرب مستوطنة آرائيل Ariel الشابان يوسف عاصي ويحيى مرعي من قرية قراوة بني حسان قضاء سلفيت.

وقعت عمليات أيار/ مايو بعد حملة “كاسر الأمواج” التي دفع بها الاحتلال إلى الضفة الغربية، عقب عمليات نيسان/ أبريل، وقد هدفت هذه الحملة إلى تحقيق ثلاثة أهداف مركزية، وهي: “الحراسة في نطاق المدن، وحراسة خط التماس والجدار، ونشاط هجومي مبادر إليه، موجه استخبارياً في عمق المنطقة، لإحباط “أعشاش الإرهاب” في المدن والقرى الفلسطينية، وفي الأساس ضمن نطاق مدينة جنين”[3].

كان من اهتمامات هذه الحملة، إغلاق ما يسميه الفلسطينيون “الفتحات”، وهي ثغرات في جدار الأمن الإسرائيلي (جدار الفصل العنصري) الذي يحيط بالضفة الغربية، وقد استنفر جيش الاحتلال لهذا الغرض 25 كتيبة من القوات البرية للمساعدة في سدّ هذه الثغرات:

أي ما يزيد على ضعف عدد الكتائب المنتشرة في مناطق الضفة الغربية خلال الوضع الروتيني، بالإضافة إلى استنفار الوحدات الخاصة التي تقوم بمهمات الاعتقال والتصدي لخلايا المقاومة، إذ بلغ عدد القوات المستنفرة نحو خمسة آلاف جندي من الجيش، فضلاً عن ثمانية آلاف من أفراد الشرطة. علاوة على الاستعانة بوحدة 8200 وسلاح الجو في مهام المراقبة والرصد، فضلاً عن كتيبة جمع المعلومات القتالية العاملة بشكل دائم في الضفة.[4]

وبالرغم، من تراجع عمليات التسلل إلى الداخل المحتل، بعد هذا الجهد العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي، فإن شهر حزيران/ يونيو 2022، كان يعلن عن تصاعد شكل آخر من أشكال المقاومة المربكة للاحتلال الإسرائيلي، وهو تبلور تشكيلات مسلّحة في بعض مناطق الضفة الغربية، تأخذ شكلاً تنظيمياً جديداً غير تقليدي، بما ينتقل بالحالة المقاومة في الضفة الغربية نحو نمط جديد أكثر تنطيماً، ويعبّر عن رغبة كامنة في الانتقال بالهبّات المتتالية، والعمليات الفردية، إلى ما هو أكثر قابلية للاستمرار، وقدرة على الإلهام، وفرض وقائع المقاومة في الضفة الغربية.

ففي حزيران/ يونيو 2022 تعرَّض الصهاينة المقتحمون لما يسمّى “قبر يوسف” في مدينة نابلس إلى إطلاق نار أدى إلى وقوع 3 جرحى إسرائيليين، كان من بينهم قائد قوات الاحتلال في شماليّ الضفة الغربية روعي تسويغ Roy Zweig. مما يعني ضربة مؤلمة للجهود الأمنية الإسرائيلية، وإظهار تحدّ جديد أمام الجهد الإسرائيلي الرامي إلى تطويق حالة المقاومة في الضفة واستيعابها.

لم يكن هذا الاشتباك في نابلس، إلا تمدّداً لشكل من أشكال المقاومة المنظّمة في مدينة جنين ومخيمها وريفها، عُرف بـ”كتيبة جنين”، والتي أعلنت عن نفسها في أيلول/ سبتمبر 2021، بعد حادثة “نفق الحرية”، التي تمكن فيها 6 أسرى فلسطينيين ينحدرون من منطقة جنين، بالهرب من سجن جلبوع، وإن كان قد جرى اعتقالهم لاحقاً، كما أنّ هذا التأسيس الذي جاء بعد ثلاثة شهور على نهاية “معركة سيف القدس”، لا بدّ وأن يكون انعكاساً على نحو ما، لتلك المعركة، لا سيّما وأنّ المؤسسين للكتيبة يعيدون تأسيسها إلى الشهيد جميل العموري، الذي استشهد في حزيران/ يونيو 2021 في أثناء المعركة المذكورة.

وبالرغم من ارتباط الكتيبة بحركة الجهاد الإسلامي، فإنّ النموذج تمكّن من إيجاد حالة مقاومة عابرة للفصائل، تضمّ شباناً من بيئات اجتماعية قريبة من حركة فتح، وعناصر من حركة حماس، وهو الأمر الذي انعكس ابتداء في محاولة تأسيس كتيبة باسم “كتيبة نابلس”، والتي مرّت بعدد من حالات الشهادة؛ ففي شباط/ فبراير 2022 استشهد ثلاثة مقاومين في نابلس، وهم أدهم مبروكة “الشيشاني”، ومحمد الدخيل، وأشرف مبسلط، في عملية خاصة لقوات الاحتلال، وفي تموز/ يوليو 2022 استشهد مقاومان في البلدة القديمة بنابلس، وهما محمد عزيزي وعبد الرحمن صبح، بعد استهداف قوات الاحتلال مخبأ لمقاومين ينحدرون من عدة فصائل، لتأخذ المشهدية كثافة أعلى مع اغتيال المطارد إبراهيم النابلسي، وما تجلى على إثر استشهاده من تفاعل شعبي كبير، ثم تبلور تشكيل “عرين الأسود” في نابلس في بلدتها القديمة.

ثانياً: السياق الأوسع لمسار المقاومة الجاري:

تعلّقت قراءة مشهدية المقاومة الجارية، لدى العديد من المراقبين، في الضفة الغربية، بظاهرة “عرين الأسود”، بالرغم من حداثتها النسبية، ودون قراءة هذه الظاهرة في السياق الأوسع، سواء سياق الموجة الجارية كما حاولت هذه الورقة عرض مسارها، أم السياق العام الأشمل المرتبط بمجمل الظرف الفلسطيني في امتداداته منذ سنة 2014 وإلى الآن، بيد أنّ التعلق بقراءة المشهد من خلال “عرين الأسود”، وإن عكس قصوراً في التقاط الظاهرة من خلال السياق الأوسع، فإنّه دلّ على الأثر المعنوي الكبير لهذه الظاهرة لجملة أسباب، أهمها: نموذج الشهداء المتتابع المنبثق عن الظاهرة مما منحها مصداقية عالية لدى الجماهير، وصعوبة تصنيف الظاهرة وفق الوقائع الحزبية الكلاسيكية، إذ بدت الظاهرة عابرة للحزبية بضمها عناصر ينحدرون من تنظيمات مختلفة، وقدمت خطاباً ناضجاً، انعكس في التفاعل الشعبي العام في الضفة وفي نابلس على وجه الخصوص مع نداءات العرين، سواء في الاستجابة لدعواتها للإضراب،[5] أم للخروج الشعبي لحماية التشكيل،[6] أم للاحتجاج على اعتقال السلطة لبعض عناصرها.[7] بيد أنّ التحديات التي تعرّضت لها الظاهرة، من محاولات التفكيك والاحتواء بالأدوات الخشنة والناعمة، وما اتصل بذلك من حصار لمدينة نابلس، دفع للتساؤل عن مستقبل المقاومة في الضفة الغربية، وذلك لهذا الربط بين حالة المقاومة الأوسع وبين الظاهرة الأضيق، وهو ما يستلزم قراءة حالة المقاومة الجارية في السياق الأوسع، قبل الإتيان على التحديات التي تعانيها أشكال المقاومة المتعددة في الضفة الغربية، ولا سيّما التشكيلات المسلحة ومستقبلها.

تشير إحصاءات جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) Israel Security Agency—ISA (Shabak)[8] إلى الارتفاع في أعمال المقاومة سنة 2012 عمّا كان عليه في سنة 2011، فقد بلغت أعمال المقاومة في كل من الضفة الغربية والقدس 610 في سنة 2012، مقابل 473 في سنة 2011. لم تكن هذه الزيادة منفصلة عن مشهد المقاومة في غزة في المعركة التي سمّتها المقاومة “حجارة السجيل” وسماها الاحتلال “عمود السحاب”، تخلله تفجّر حافلة في “تل أبيب” نفذه فلسطينيون من قرية بيت لقيا قضاء رام الله. وبحسب الشاباك، فقد جرى اعتقال 2,300 فلسطيني خلال هذه السنة، بما أفضى إلى تقديم 2,170 لائحة اتهام، وبحسب ادعاءاته فقد أحبط 100 عملية، ثلثها كان يستهدف خطف جنود أو مستوطنين، ونصفها التخطيط لتفجيرات أو عمليات إطلاق نار.

وقد ارتفعت أعمال المقاومة في سنة 2013، بواقع 1,271 عملاً مقاوماً في الضفة الغربية والقدس، بينما صعّدت المقاومة في سنة 2014 إلى 1,793 عملاً مقاوماً، وقد كانت هذه السنة هي سنة الحرب على غزة التي سمّتها المقاومة “العصف المأكول”، وسماها الاحتلال “الجرف الصامد”. أمّا سنة 2015، فقد كانت “هبّة القدس” في أواخرها، تشرين الأول/ أكتوبر، ولذلك فإنّ التصعيد بدأ مع نهاية السنة، وبالرغم من ذلك فقد بلغت أعمال المقاومة فيها 1,719 عملاً، مع زيادة في حدَّتها بحسب وصف الشاباك الإسرائيلي،[9] فقد قتل 14 إسرائيلياً مقابل 5 في السنة التي سبقتها، وعليه فقد مثّلت سنة 2015 تحوّلاً جوهرياً في مسار المقاومة في واقع الضفة الغربية.

ثالثاً: عناصر التثوير:

يمكن من خلال هذا الاستعراض، وما سوف يأتي من عناصر ملاحظة ما يلي من عناصر التثوير والدفع لحالة المقاومة في الضفة الغربية:

1. حالة المقاومة في قطاع غزّة: إذ يتضح بالعرض منذ سنة 2012 دور المقاومة في غزة في توفير حالة من الرفع التعبوي للجماهير في الضفة الغربية، بحيث ترتفع أعمال المقاومة بالتزامن مع المعارك التي دارت على قطاع غزة، أو تنعكس في موجات تالية من المقاومة في الضفة الغربية والقدس لها طبيعتها الخاصة، ومن ثمّ كان لحربي 2014 و2021 أثر حاسم، في تصعيد المقاومة في الضفة الغربية، إذ لا يمكن فصل هبّة القدس سنة 2015 عن مشهدية المقاومة في غزة سنة 2014، ويتضح الأمر أكثر في عموم حالة المقاومة في الضفة الجارية بعد معركة سنة 2021، والتي كانت استثنائية في قدرتها على جمع الفلسطينيين في مشهد كفاحي واحد على رقعة الوجود الفلسطيني.

يتضح الموقع المعنوي لفاعلية المقاومة في غزة، في شواهد أخرى في الضفة الغربية، مثل استحضار رموز المقاومة في غزة على نحو دائم في هتافات الجماهير، أو في أحاديث المقاومين المسلّحين، ولا سيّما بين عناصر “عرين الأسود”، ولا سيّما قائد كتائب القسام محمد الضيف، كما اتضح العامل الحاسم لهذه المعارك في إعادة تعريف فرقاء الساحة الفلسطينية في وعي جماهير الضفة الغربية، كما تجلّى ذلك في فوز الكتلة الإسلامية (الذراع الطلابية لحركة حماس) في جامعة بيرزيت بنسب تاريخية غير مسبوقة في انتخابات سنة 2015؛ حيث فازت بـ 26 مقعداً مقابل 19 مقعداً لحركة الشبيبة الطلابية (الذراع الطلابية لحركة فتح)، وفازت في سنة 2022 بـ 28 مقعداً مقابل 18 مقعداً لحركة الشبيبة، علماً بأن الكتلة الإسلامية في عموم الضفة الغربية، ومن ضمن ذلك في بيرزيت، أخذ حضورها بالتراجع، سواء جراء اختلاط صورة أحداث غزة (2007) التي تسميها حماس بالحسم العسكري، وفتح بالانقلاب، أم جراء عمليات التفكيك الممنهج الذي مورس على مجمل حضور حماس في الضفة الغربية، فقد ظلّت الكتلة الإسلامية تخسر في جامعة بيرزيت منذ سنة 2008 حتى عادت للفوز بنسبة غير مسبوقة سنة 2014، بالإضافة إلى مقاطعتها للانتخابات في سنتي 2010 و2011،[10] وهو ما لا يترك مجالاً للغفلة عن أثر تلك المعارك في غزة، والتي انعكست في الوعي الاجتماعي العام في الضفة الغربية والقدس.

2. عوامل الدفع الذاتي للمقاومة في الضفة الغربية نفسها: وبما يتصل بالشخصية الكفاحية للفلسطينيين والتي لا بدّ أن تستعيد نفسها مهما تقادم الزمن، طالما توفّرت إمكانات المواجهة. فبالنظر إلى ما سبق عرضه من إحصاءات في سنة 2012، يتضح من جهة أنّ الجماهير لم تكن منفكّة عن السعي لاستنهاض حالة المقاومة في الضفة الغربية، كما أنّ فصائل المقاومة نفسها لم تكن غائبة عن المحاولة، والتي يمكن القول إنه كان لها دور مركزي في الدفع نحو إيجاد حالة شعبية متعددة الأنماط والأشكال من العمل المقاوم، ويمكن هنا استحضار عمليتين مهمتين ارتبطتا في تصعيد العمل المقاوم، وهما: عملية أسر ثلاثة مستوطنين نفذتها مجموعة من حركة حماس في الخليل في حزيران/ يونيو 2014 دفعت قوات الاحتلال لتوسيع حملاتها الأمنية على الضفة مما زاد من احتكاك الجماهير الفلسطينية بها، ثم انعكست الحملة الإسرائيلية في العدوان الكبير على قطاع غزة، وفي الأثناء حصلت هبّة الطفل محمد أبو خضير في القدس، الذي خطفه وقتله مجموعة من المستوطنين، وأمّا العملية الثانية، فهي عملية بيت فوريك (إيتمار Itamar) التي نفّذتها مجموعة من حركة حماس في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2015، ثم عملية الطعن التي نفذها الشهيد مهند الحلبي في المسجد الأقصى والذي ينتمي لحركة الجهاد الإسلامي.

جرى ذكر هذه العمليات لاتصالها المباشر بالأحداث الكبرى في سنتي 2014 و2015، بيد أنّ العديد من العمليات التي سمِّيت فردية، وتكثَّفت في سنتي 2015 و2016، أو العمليات النوعية التي نفَّذها شبان ينتمون لفصائل فلسطينية خلال السنوات الثمانية الماضية تلك منذ سنة 2014 كان لها دور جوهري في تجديد الدافعية للمواجهة، وإيجاد أسباب متجددة للإلهام، ولا ينبغي، والحالة هذه، التعامل مع مشهديات المقاومة المتجددة وكأنها قائمة بنفسها ومنفصلة عن كلّ عمليات الدفع خلال السنوات الماضية، بما في ذلك العمليات النوعية العديدة الناجحة التي نفّذها شبان فلسطينيون، وعاد في أثناءها نموذج المطارد للظهور من جديد، مثل الشهيد حمزة أبو الهيجا الذي استشهد في آذار/ مارس 2014، والشهيد محمد الفقيه الذي استشهد في قرية صوريف الخليل في تموز/ يوليو 2016، ومثل الأخوَين صالح (استُشهد) وعاصم (اعتُقل) البرغوثي، اللذين نفذها عملياتهما، أواخر سنة 2018، وأحمد نصر جرار الذي استشهد في شباط/ فبراير 2018، والشهيد أشرف نعالوة الذي استشهد في كانون الأول/ ديسمبر 2018، وعمر أبو ليلى الذي استشهد آذار/ مارس 2019. وهذه أمثلة على عودة نموذج المطارد قبل ظاهرة التشكيلات المسلحة الأخيرة في شمالي الضفة الغربية، وهي أمثلة تضاف إلى العديد من الأسماء الأخرى التي نفَّذت عمليات ناجحة بأسلحة نارية أو في عمليات طعن أو دعس، ليكون التوصيف الأدق لما يجري في الضفة الغربية أنه حالة كفاحية مفتوحة منذ بضع سنوات.

3. عناصر التثوير الموضوعية: وأهمها مركزية المسجد الأقصى والقدس في الدفع نحو الموجات المتتالية، فهبّة سنة 2014 ارتبطت على نحو ما بحدث في القدس (الطفل محمد أبو خضير)، ثم تسمّت هبّة سنة 2015 باسم القدس، وإن كان مفجِّرها قادماً من الضفة الغربية (مهند الحلبي)، ثم كانت هبّة باب الأسباط في القدس سنة 2017، وهبّة مصلى الرحمة في المسجد الأقصى سنة 2019، ومعركة سيف القدس سنة 2021 بدأت في مشهد مركَّب ومتدرج في القدس (باب العمود، حي الشيح جراح، واقتحامات الصهاينة للمسجد الأقصى أواخر رمضان)، وكذلك مشهدية تشييع الصحفية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة في القدس، والتي اغتالها جندي إسرائيلي في أيار/ مايو 2022 في أثناء تغطيتها واحدة من اقتحامات الاحتلال لمخيم جنين. يتضح من ذلك أنّ المسجد الأقصى عنصر التثوير الموضوعي الأهم، وهو أمر بالغ الظهور في وصايا الشهداء، الذين نفَّذوا عمليات فردية، أو انتموا لتشكيلات مسلّحة، ويمكن إدراك طبيعة هذا العنصر حين ملاحظة التعلّق العاطفي للجماهير في الضفة الغربية بالمسجد الأقصى، بالإضافة لتحرّر الجماهير في القدس من هيمنة السلطة الفلسطينية الأمنية، وإن كانت السلطة تملك أدوات تأثير أخرى في واقعهم، بالإضافة لجهود الاحتلال الخشنة والناعمة في تفكيك هبّات الفلسطينيين في القدس واستيعابها.

يُضاف إلى المسجد الأقصى، في عناصر التثوير القائمة باستمرار، انتفاش الحضور الاستيطاني البشري، لا من حيث التمدد الاستيطاني في البنية التحتية فحسب، ولكن من حيث اعتداءات المستوطنين المباشرة على حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم، كما في حادثة الطفل محمد أبو خضير (2014)، أو حرق عائلة دوابشة في قرية دوما قضاء نابلس (2015)، ومهاجمة المستوطنين المستمرّة لقرية برقة شرقي رام الله، وحرق العديد من المساجد والمزارع، والاعتداء على المزارعين في العديد من قرى الفلسطينيين ومناطقهم، والاعتداء على سيارات الفلسطينيين في الطرقات، وذلك كله بحماية جيش الاحتلال، في مشاهد لم يعرفها الفلسطينين من قبل حينما تمكنت مقاومتهم من تحجيم الحضور الاستيطاني البشري في الضفة الغربية، كما في الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

يضاف إلى ذلك، الحضور الاستيطاني في البنية التحتية، والذي أوجد بؤراً جديدة للمقاومة منحت المقاومة الشعبية المزيد من المعنى، والجماهير الإحساس بالجدوى، كما في قرية بيتا قضاء نابلس، ولا ينفك عن هذا الحضور الاحتلالي الثقيل المتمثل في الوجود المباشر، والأكثر ثقلاً على الحواجز والطرق التي تقطّع الضفة الغربية، والتزايد في ارتقاء الشهداء، سواء القتل بلا سبب ظاهر على الحواجز وداخل البيوت وفي أثناء اقتحامات القرى أم قتل المقاومين، فحتى 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2022 ارتقى في هذه السنة 132 شهيداً فلسطينياً. وهذه عوامل كلّها دافعة نحو تجدد أسباب المقاومة.

4. تآكل شرعيات السلطة الفلسطينية: فإنّ وجود سلطة محلية عازلة أو تبنيها سياسات مناقضة لقضية المواجهة، وارتباط شرائح اجتماعية واسعة بها، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، من أهمّ العوامل الكابحة لإمكانيات المواجهة في الضفة الغربية.

تآكلت شرعيات السلطة في جميع مستوياتها السياسية، حيث انتهى مشروع التسوية إلى سلطة ضعيفة يريدها الاحتلال مجرد مظهر أمني له، والاستمرار في المسار نفسه، دون شق طريق آخر، يعزّز هذه الصورة للسلطة لدى الجماهير، لا سيّما مع التوقف الفعلي للمفاوضات السياسية منذ أكثر من عشرة أعوام، وفرض وقائع استعمارية مشاهدة لجماهير الفلسطينيين تجعل من إمكانية إقامة دولة فلسطينية تعاقدية في الضفة الغربية أمراً مستحيلاً، واستعادة حماس (الخصم السياسي للسلطة) لحضورها على مستوى التأييد الشعبي بعد معاركها في غزة، وهو مما يسهم في كشف المشروع السياسي للسلطة، فقد انتهت إلى هدف قائم بذاته بلا أفق ولا وعد سياسي، حيث تقتصر ترتيباتها مع الاحتلال على الجوانب الاقتصادية والأمنية.

يُضاف إلى ذلك، تراجع القدرات الاقتصادية الريعية للسلطة، مع أزماتها المالية المتتابعة، فمنذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، تدفع السلطة رواتب منقوصة لموظفيها، وتسعى إلى قانون تعاقد مبكّر يقلّص من كادرها الوظيفي، وتزيد من إجراءات الجباية الضريبية، مما يجعلها تتحول بالتدريج إلى عبء على المواطنين، ويقلّص من الشرائح الاجتماعية المستفيدة منها، ويدفع أوساطاً للانزياح عنها كانت تُعدّ من الأغطية الشعبية للسلطة الفلسطينية، وهو ما يفسّر جزئيّاً انحياز أفراد وعناصر ينحدرون من الأجهزة الأمنية، أو من بيئات اجتماعية محسوبة على حركة فتح إلى المقاومة، لا سيّما وأنّ السلطة، وإذ افتقدت المشروع السياسي، سوف تتحوّل إلى هدف لنخبة محصورة، تحتمي بالقوّة الأمنية والدعم الخارجي.

وغير بعيد عن ذلك، غموض المستقبل السياسي للسلطة، مع الخلافات المتصاعدة داخل حركة فتح، حول مرحلة ما بعد الرئيس عباس، مما قد يوجِد من جهة متنفّسات لإمكانات العمل المقاوم، ومن جهة أخرى يكشف الغطاء الشعبي للسلطة، إذ تستمر بلا انتخابات تجدد شرعيتها، ولا تُقدِّم للجماهير أيّ أدوات أخرى سواء لتجديد الشرعية، أم لترتيب مرحلة ما بعد الرئيس عباس.[11]

وخلاصة ما سبق أن العوامل المذكورة أعلاه تبين أن موجة المقاومة الجارية في الضفة الغربية، هي جزء من حالة كفاحية طويلة، ممتدة منذ سنة 2014، وقد أخذت زخمها الأكبر في موجات متتالية منذ “هبة القدس” (2015) وظلّت تتجدد بأنماط وأشكال متعددة، تناسب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في بيئة الضفة الغربية، ومن ثمّ؛ من الخطأ قراءة مشهديات المقاومة الجارية بمعزل عن هذا السياق الطويل وما فيه من عمليات دفع وتجديد وإلهام، كما أنّ استمرار هذه العناصر يعني استمرار هذه الحالة من المقاومة، كما سيأتي بيانه.

رابعاً: عناصر التثبيط:

سبق القول إنّ موجة المقاومة الجارية في الضفة الغربية، جزء من حالة واسعة ممتدة منذ بضع سنوات، وأنّها تتمتع بعناصر تثوير ذاتي، وروافع تعبوية موضوعية، وأسباب قائمة لتجدّدها وشقّ المنافذ لها، بيد أنّ ثمة عناصر تسهم في الحدّ من سعة الحالة، وقد تحصرها في موجات متتالية، أو عمليات متفرقة، وهذه العناصر بدورها ذاتية وموضوعية، وهي على النحو التالي:

1. موقف السلطة المحلية: من الأسباب التي تَحوْل دون قراءة دقيقة لأوضاع المقاومة في الضفة الغربية أو تدفع للتساؤل عن إمكانات تحوّلها إلى انتفاضة شاملة، هو عدم أخذ موقف السلطة بعين الاعتبار، إذ إن هذا الموقف هو الشرط الموضوعي الأهم بالنسبة لحالة المقاومة حجماً وسعة وانتشاراً واستمراراً وتأثيراً، ويقتضي المقام والحالة هذه، التذكير بأن الانتفاضة الأولى استفادت من انعدام وجود سلطة محلية، بمعنى انعدام العازل الذاتي، وإمكانية الالتحام اليومي مع الاحتلال في تجمعات السكان الفلسطينيين مباشرة، وهو الأمر الذي انتهى بحكم بند “إعادة الانتشار” في اتفاقية أوسلو Oslo، والذي احتفظ للاحتلال باحتلاله للضفة مع تخليصه من الانغماس في تجمعات الفلسطينيين، وجعل إمكانات المقاومة الشعبية أكثر صعوبة، وأمّا الانتفاضة الثانية فقد استفادت من قرار سياسي لقيادة السلطة حينها (ياسر عرفات) بفتح متنفس للجماهير للاصطدام بالاحتلال، وهو ما خرج عن السيطرة سريعاً، بالإضافة إلى اشتراك شرائح واسعة من حركة فتح، وعناصر من الأجهزة الأمنية في تلك الانتفاضة.

من الواضح تماماً أن نخبة السلطة الحالية، مرتبطة عضوياً ببنية السلطة القائمة، وبشرط استمرارها الخارجي، الإسرائيلي والإقليمي والدولي، وطوال الفترة الماضية، التي كشفت مشروع السلطة (لا سيّما فترة بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu، وخطة الضم، وخطة دونالد ترامب Donald Trump، وما اتصل بذلك من سياسات حصار للمؤسسات الفلسطينية)، فإنّ قيادة السلطة لم تفعل ما يمكن أن يعبّر عن إرادة للخروج من المسار أو تعديله، كما أنّها ارتضت أن تقتصر اتصالاتها مع حكومة بينيت Bennett/ لابيد Lapid على الأبعاد الاقتصادية والأمنية،[12] ودفعت في الآونة الأخيرة نحو سياسات التفكيك والاحتواء لظاهرة التشكيلات المسلحة في شمالي الضفة الغربية، بالاعتقال، وتجفيف مصادر التمويل، وإعادة تفعيل سياسات العفو.

كما أنّه وبالرغم مما يمكن أن يقال عن تآكل شرعياتها، ومن ثمّ تآكل هيمنتها، فإنّ هذا لا يعني بالضرورة الانتهاء السريع للسلطة، لجملة أسباب، منها أنها ما تزال الناظم الاقتصادي والاجتماعي الأهم للواقع في الضفة الغربية، ومن ثمّ استمرار ارتباط المجموع الفلسطيني بها، بالإضافة إلى حضورها الأمني، وكونها ما تزال مطلباً دولياً وإقليمياً قد يفعّل أدوات دعمها من جديد. ومن ثمّ فإنّ اتساع حالة المقاومة القائمة من عدمه، مشروط بموقف السلطة، أو بحدود قدرتها اتساعاً وضيقاً، وهذا الشرط قد تعمل فيه مفاجآت غير متوقعة، مرتبطة بسلوك الاحتلال، أو بالمقاومة نفسها، مما يجعل الاحتمالات مفتوحة، بيد أنه ودون احتساب المفاجآت غير المتوقعة، ستبقى السلطة العامل الأكثر قدرة على كبح حالة المقاومة الجارية.

2. مستويات الحضور التنظيمي في حالة المقاومة الجارية: وقد سبقت الإشارة إلى كون دور التنظيمات كان جوهرياً في إذكاء حالة المقاومة المستمرّة منذ بضع سنوات، كما أن جهود التنظيمات على ما يقدم لها من نقد، فإنها تسهم في استنزاف قدرات الاحتلال الأمنية، وقد أخذت موجات المقاومة المتتابعة أخيراً أشكالها التنظيمية الممكنة في شمالي الضفة الغربية، من خلال بعض التشكيلات، كما في “كتيبة جنين”، و”عرين الأسود”، وهي أنماط خاصة من العمل التنظيمي، غير منفكة عن التنظيمات التقليدية، حيث تتصل الأولى بحركة الجهاد الإسلامي، مع توفيرها غطاء للمقاومين من تنظيمات أخرى، من خلال هيئات للتنسيق داخل جنين، بينما يتهم الاحتلال حركة حماس بتمويل “عرين الأسود” في نابلس ورعايته،[13] في حين كانت السلطة الفلسطينية قد اعتقلت الكادر في حركة حماس مصعب اشتية، واتهمته بتمويل “عرين الأسود”.[14]

بيد أنّ ضعف الحضور التنظيمي، يَحوْل دون الحفاظ على استمرارية الهبّات المتتالية، فالجماهير التي قد تخرج مرّة، لا يمكنها الاستمرار دون بنية تنظيمية تحفظ ديمومة نشاطها، كما أنّ الجماهير بحاجة لقوى لتعزيز صمودها في مواجهة حملات التفكيك والإفشال. فمن جهة يمكن القول إنّ الهبّات العفوية والعمليات غير المنظّمة تربك المنظومة الأمنية للاحتلال، وتحرج السلطة التي لا تستطيع تصنيفها سياسياً، ومن ثمّ تصعب على السلطة مهمة ضربها سريعاً، فإنّها، أي الهبّات العفوية والعمليات غير المنظمة، تفتقد شروط الاستمرارية، ولا تملك بطبيعة الحال الأجندة السياسية التي يمكن تحويلها إلى خطاب جماهيري.

كانت هذه واحدة من أهمّ مشكلات الهبّات المتتالية في الضفة الغربية منذ سنة 2015، إلا أنّ هذه المشكلة غير ناجمة عن قصور تنظيمي ذاتي، بقدر ما هي ناجمة عن عاملَين ضخمَين؛ الأوّل خروج الفصائل الفلسطينية مستنزفة من الانتفاضة الثانية، لا سيّما بعدما ضخّت صفها الأول وكادرها الذي يملك الخبرة والتجربة في تلك الانتفاضة، وواجهت عمليات تفكيك ضخمة بعد عملية “السور الواقي” الإسرائيلية، في بيئة جغرافية محصورة لا تملك ظهيراً خلفياً للدعم والإسناد.

أمّا العامل الثاني، فقد كان سياسات السلطة الفلسطينية التالية على فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية، والتي أخذت مداها بعد ما يسمى بـ”الانقسام الفلسطيني” (2007)، قد اختطت جملة سياسات، يقع الأمن في القلب منها، وتمتد في برامج سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، تهدف إلى تحييد الجماهير عن القيام بواجبها النضالي، مدعومة بذلك من المنظومة الإقليمية والدولية، التي أرادت الاستثمار في الانقسام الفلسطيني، لدفع السلطة نحو سياسات لا رجعة عنها، في الانقطاع عن المسار النضالي الفلسطيني، بل ومواجهته، كما اتضح ذلك ابتداء من مؤتمر أنابوليس Annapolis Conference في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، وفي إعادة هندسة البنية الأمنية الفلسطينية وفق مخططات الجنرال الأمريكي دايتون Dayton.

لم تفضِ هذه السياسات إلى إضعاف حركة حماس، وإزاحتها فيزيائياً عن المجال العام فحسب، وإنما إلى تجريف مجمل الحركة الوطنية، والربط المحكم لحركة فتح بالسلطة وبنيتها ومسارها ومشروعها، وتحويل الخصومة مع حماس إلى أولوية للسلطة وفتح على حساب الصراع مع الاحتلال، وإحكام الهيمنة على المجال العام، وهو الأمر الذي لم يبدأ في التغير بوضوح إلا بعد حرب سنة 2014، ثم انتقل نقلته الأهمّ بعد حرب سنة 2021، غير أنّ التنظيمات لم تزل غير قادرة على إعادة بناء نفسها، بما يتكيف مع الوقائع الأمنية في الضفة الغربية.

3. سياسات هندسة المجتمع الفلسطيني: والمؤسسة فلسطينياً بدورها على الانقسام الفلسطيني، لا بتعزيز ربط المجتمع ببنية السلطة فحسب، ولكن بفرض نماذج اقتصادية استهلاكية تتعارض مع ضرورات مواجهة الاحتلال، وهو ما كان جلياً في حقبة رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض، الذي دفع نحو سياسات اقتصادية تتفق مع رؤية اليمين الإسرائيلي لـ”السلام الاقتصادي”، وهو أمر أفضى إلى “التغلغل الثقافي العميق في البنى الاجتماعية، وذلك عبر إيجاد حقل مؤسساتي كامل من الهيئات الإعلامية والأكاديمية والمنظمات غير الحكومية والمشاريع التنموية التي تبث بشكل موجه قيماً وأفكاراً ورؤى تنسجم وأهداف التيار السياسي الاقتصادي المهيمن”،[15] وبالرغم من أنّ فياض لا ينتمي لحركة فتح، وقد أخرجته الأخيرة من رئاسة الحكومة، فإنه يمكن القول إن نهجه الاقتصادي، يتفق مع مآلات السلطة الفلسطينية، التي باتت بلا أفق سياسي، مما يعني أن مرتكزات استمرارها ستكون الاقتصاد والأمن، بما يتفق مع رؤية اليمين الإسرائيلي للصراع.

لم يختلف الأمر مع خروج نتنياهو، ومجيئ حكومة بينيت/ لابيد، والتي مثّلت استمراراً لسياسات “السلام الاقتصادي”، مع ميل نحو تطويرها إلى ما اصطلح عليه بـ”تقليص الصراع”،[16] والذي يعني استمرار الاحتلال مع تخفيف وطأته، وهو رؤية أول ما تُعنى بإيجاد حلّ وسط بين مختلف الفرقاء الإسرائيليين بخصوص نمط احتلال الضفة الغربية، بيد أنّ هذه الرؤية تخفّف الحرج عن السلطة بتخفيف مظاهر الاحتلال، وتوفير ظروف أفضل لحركة الفلسطينيين الداخلية والخارجية والتجارية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ومن ذلك زيادة أعداد العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل وفي المستوطنات، حيث بلغ عدد العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل في الربع الأول من سنة 2022، 173.4 ألف عامل، يضاف لهم 31 ألفاً يعملون في المستوطنات،[17] وهو ما يعني ارتباط اقتصاديات ما لا يقلّ عن 200 ألف عائلة فلسطينية بهذه العمالة، بالإضافة إلى دور هذه العمالة في مجمل الحركة الاقتصادية في الضفّة الغربية (تشكّل تحويلاتهم 16% من الدخل القومي)،[18] لذلك تركّزت لقاءات مستويات السلطة المتعددة مع حكومة بينيت/ لابيد في الحقول الاقتصادية والأمنية بلا أي أطروحات سياسية، وذلك بالرغم من تصعيد الأوضاع الأمنية، وهو ما يصطف إلى جانب بقية الدلائل عن كون نخبة السلطة الراهنة ليست في وارد الخروج من المسار الذي تكرّست فيه.

إنّ هذا الخطّ الطويل من السياسات المركبة، والتي تستند إلى العامل الاقتصادي بالدرجة الأولى، لا بدّ وأنها انعكست على نحو عميق في طبائع المجتمع الفلسطيني، وعلى نحو يتضافر مع مجمل الأوضاع السياسية والأمنية، بما يجعل تمدّد موجات المقاومة في أنماط أكثر سعة وشمولاً أكثر بطأ.

4. التفوق الأمني الكاسح للاحتلال الإسرائيلي: منذ نهايات انتفاضة الأقصى طوّر الاحتلال الإسرائيلي منظومة أمنية تتقاطع مع أهدافه السياسية والاستراتيجية، كانت أبرز معالمها في البنية التحتية بتقطيع مناطق الضفة، وإحكام قبضته على مفاصلها، وتجهيز أدوات ضبط وسيطرة للتحكم بحركة الفلسطينيين ماثلة دائماً، وذلك بالحواجز والجدار والطرق الالتفافية وما يتصل بذلك من أبراج ومكعبات إسمنتية وبوابات حديدية، مما يجعل الاحتلال قادراً على حصار مناطق الفلسطينيين بحسب احتياجاته الأمنية، وفصلها بما يخدمه سياسياً، ويَحوْل دون قدرة المقاومين على التنقل أو الاختفاء الكامل أو نقل الخبرة والتجربة، وذلك لضبطه الكامل لحركة الفلسطينيين وسيطرته عليها، وعلى نحو معزَّز بمنظومة كاميرات ممتدة على تجهيزات الضبط والسيطرة تلك، وعلى طول الطرق الالتفافية، والمفارق والمقاطع ومداخل المدن والقرى، وهو ما يفسّر قدرة الاحتلال على الكشف السريع عن هويات منفذي العمليات والوصول إليهم، وهو أمر يَحوْل دون قدرة هؤلاء المقاومين على مراكمة الخبرة، ويدفع العديد من الشبان للامتناع عن تنفيذ العمليات لإدراكهم عجزهم تالياً عن المراكمة على هذه العمليات.

لا يمكن التحايل على هذه البنية الأمنية إلا وفق خطط تنظيمية قادرة على الإحاطة النسبية بهذه الوقائع، ثم توسيع الخيال الساعي إلى تجاوزها، بيد أن الضعف التنظيمي وموقف السلطة الفلسطينية وقصور الوعي الأمني لدى التشكيلات الجديدة، يبقي فارق الموقف الأمني لصالح الاحتلال.

يتضح ذلك في مراهنة الاحتلال على تفوّقه الأمني، في سعيه لتفكيك التشكيلات الجديدة، سواء من خلال الاغتيال الاستخباراتي الغامض كما في حادثة اغتيال تامر الكيلاني، المقاوم في “عرين الأسود” الذي اغتيل بعبوة، وعلى نحو غامض في نابلس في 2022/10/23، أو بالاقتحامات الهادفة إلى قتل واعتقال مقاتلي التشكيلات ولا سيّما رؤوسهم، كما في العملية المعقَّدة المشتركة بين هيئة الأركان والشاباك التي أفضت إلى اغتيال القائد في “عرين الأسود” وديع الحوح في 2022/10/25، أو كما في اغتيال قائد كتيبة جنين محمد أيمن السعدي وإلى جانبه المقاوم نعيم جمال زبيدي، في 2022/12/1،[19] وذلك إلى جانب سياسات أخرى، كحصار نابلس، ودفع السلطة نحو تفعيل سياسات العفو والاستيعاب للمقاتلين، إذ تزعم المصادر الإسرائيلية أن أكثر من 60 مقاتلاً من “عرين الأسود” سلَّموا أنفسهم للسلطة الفلسطينية، وهو ما تشكك به مصادر فلسطينية،[20] وما يقال عن عرين الأسود يمكن قوله عن التشكيلات في جنين وغيرها.

خامساً: آفاق المستقبل:

يمكن إيجاد نموذج تحليلي من مجمل الموضوعات السابقة: مسار الموجة الجارية، والسياق العام لموجات المقاومة منذ ثماني سنوات، وعوامل التثوير والتصعيد، وعوامل التثبيط، إذ يمكن بذلك الخروج بعدد من السيناريوهات، على النحو التالي:

1. السينايو المرجّح: المتفق مع النموذج التحليلي سالف الذكر، وهو أنّ المقاومة في الضفة الغربية في طور التكرّس، لا في طور التراجع، ولكن يصعب القول إنها ذاهبة إلى انتفاضة شاملة لافتقاد ذلك للشرط الموضوعي الأهمّ، وهو موقف السلطة الفلسطينية، مما يعني أنها ستبقى متجدّدة في موجات تأخذ أشكالاً متعدّدة، غير مرتبطة بالضرورة بالتشكيلات العسكرية الجديدة.

لقد كانت التشكيلات العسكرية الجديدة، في طابعها المكشوف، مفيدة في إحياء ثقافة المقاومة، وربط الأجيال الجديدة بها، وفرض وقائع تسهم في تآكل سيطرة السلطة الأمنية، كما أنها، ولأنها لا تنتمي على نحو صارخ للتنظيمات التقليدية، يصعب على السلطة حصارها وضربها سريعاً تحت ذريعة المطامح السياسية، أو الخصومة السياسية، أو التخويف من حركة حماس، بيد أنّ الانحصار البشري والجغرافي مع قصور الوعي الأمني، وبالنظر إلى عناصر التثبيط سالفة الذكر، يجعل من الرهان عليها، وربط مشهدية المقاومة بها خطأ بالغاً.

لقد كانت العمليات الأهم، في الآونة الأخيرة، والأكثر تأثيراً، غير مرتبطة عضوياً بهذه التشكيلات، على الأهمية المعنوية البالغة لأثر هذه التشكيلات.

من تلك العمليات الأكثر أهمية، عملية عديّ التميمي من مخيم شعفاط، الذي نفّذ عمليته الأولى على حاجز شعفاط في 2022/10/8، والثانية في 2022/10/19 عند مستوطنة معاليه أدوميم Ma’ale Adumim ليستشهد فيها، وعملية محمد كامل الجعبري قرب مستوطنات كريات أربع Kiryat Arba في الخليل، والتي استشهد في أثنائها في 2022/10/29، وعملية الدعس في أريحا في 2022/10/30، التي نفذها الشهيد بركات موسى عودة، وعملية الدعس المزدوجة قرب مستوطنة آرائيل في 2022/11/15، والتي نفَّذها الشهيد محمد مراد سامي صوف، وعملية التفجير المزدوج في القدس في 2022/11/23.

إنّ هذه العمليات كلّها، والتي حصلت في أوقات متقاربة، غير مرتبطة تنظيمياً بالتشكيلات المسلحة في شمالي الضفة الغربية، وتنتمي شكلاً للعمليات الفردية التي أخذت تتصاعد من بعد “هبّة القدس” سنة 2015، باستثناء عملية التفجير المزدوج في القدس والتي قد تكون منفذة من خلية تنظيمية،[21] وهو ما يعني من جهة أنّ الموجة الجارية جزء من الحالة الكفاحية الطويلة المشار إليها، وثانياً أن العوامل الدافعة معنوياً وواقعياً لاستمرار عمليات المقاومة ما تزال قائمة، وهو ما يُعزّز ما يذهب إليه هذا السيناريو من كون المرحلة القادمة ستكون أشكالاً متنوعة من العمل المقاوم، قد تكون في حدها الأدنى عمليات متباعدة، وفي شكلها الأعلى هبّات محصورة وتشكيلات مسلحة محدودة دون التحوّل إلى انتفاضة شاملة.

2. سيناريو التحول إلى انتفاضة شاملة: وهو سيناريو منوط بمفاجآت غير متوقعة، تؤدي إلى خروج الأحداث عن سيطرة القوى المهيمنة (الاحتلال، والسلطة)، أمّا ضمن الوقائع القائمة، فإنه يصعب ترجيح هذا السيناريو، إلا إذا تعزز تآكل سيطرة السلطة أكثر.

وعلى أيّ حال، فإن التعلق بنموذجَي الانتفاضتَين السابقتَين، أو المقارنة مع الحروب في غزة، يَحوْل دون القدرة على منح موجات المقاومة المتتابعة في الضفة وزنها الحقيقي، فهي الآن صورة المقاومة اليومية بالنسبة لصراع الفلسطينيين مع الاحتلال، والأكثر إثخاناً في الاحتلال، والدافعة لاستنزاف يومي لقوات الاحتلال بتمددها في الضفة، ولم يكن التاريخ الكفاحي للفلسطيينين محصوراً بالانتفاضات الشاملة، ومن ثم فالموجات الجارية مناسبة بالنظر إلى مجمل الظروف سابقة الذكر، واتساعها سيكون شكله متكيّفاً بالضرورة مع الظروف المستجدة التي لم تكن موجودة في الانتفاضتَين السابقتَين.

3. التوقف الكامل لموجات المقاومة: وهو السيناريو المستبعد، بالنظر إلى عوامل تصعيد المقاومة، كونها أولاً مساراً طويلاً، وثانياً لتآكل شرعيات السلطة، وثالثاً لعناصر الإلهام في عمليات المقاومة المتتابعة، ورابعاً لتصاعد ثقافة المقاومة بسبب التشكيلات الجديدة وحالة المقاومة في غزة، وخامساً لقدرة المقاومة في غزة على الضخ التعبوي في جماهير الضفة، وسادساً لسياسات الاحتلال الدافعة نحو إرادة ثأرية فلسطينية.

والحاصل، أنّ أي فترة هدوء، ستكون مؤقتة، وغير طويلة، حين احتساب العوامل تلك كلها.

سادساً: السياسات المتوقعة لمجمل الفاعلين:

على ضوء ذلك يمكن توقع سياسات الفاعلين إزاء مشهدية المقاومة الجارية واحتمالاتها، وهو ما ستعرضه الصفحات القادمة مع التركيز على السياسات الإسرائيلية، لأنها الفاعل الأكثر قدرة وامتلاكاً لأوراق القوة، وذلك على النحو التالي:

1. الاحتلال الإسرائيلي:

لقد كانت سياسات الاحتلال الإسرائيلي منذ نهاية انتفاضة الأقصى، إزاء الضفة الغربية تقوم على ثلاثة عناصر:

أ. تكريس الحضور الأمني، بالتمسك بالفاعلية الأمنية الإسرائيلية في مناطق أ، بعد إلغاء حرمتها فعلياً في حملة “السور الواقي”، بمعنى أن واحدة من أهم خلاصات التجربة الإسرائيلية في انتفاضة الأقصى، إعادة صياغة منطق التنسيق الأمني مع السلطة، بالاعتماد الكامل على الذات، بما في ذلك مناطق أ؛ ثم في مرحلة تالية، بعد “الانقسام الفلسطيني” بدفع السلطة لتكون تمظهراً لحاجات الاحتلال الأمنية، دون تعويل عليها، والسبب في ذلك كون مناطق أ في بدايات انتفاضة الأقصى قد تحوّلت إلى نقاط ارتكاز لإعادة بناء تشكيلات المقاومة الفلسطينية، والاحتماء فيها، والانطلاق منها، ثمّ مشاركة أعداد من منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية في تلك الانتفاضة، وهو ما دفع الاحتلال لإعادة صياغة موقفه من مناطق أ ومن الدور الأمني للسلطة، ولذلك فإن المنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي تمثّل الطرف الأحسن علاقة بالسلطة ونخبتها، هي الأكثر تمسكاً بضرورة استمرار الحضور الأمني الإسرائيلي المباشر في مناطق أ.[22]

ب. تطوير بنية أمنية مزدوجة، من البنية التحتية الاستعمارية والتقنية (حواجز، وطرق، وكاميرات… إلخ)، وشنّ الحملات الأمنية المتحفزة الليلية في عموم الضفة؛ ولذلك فإن حملات “نبش الجذور”، و”جزّ العشب”،[23] لم تتوقف منذ انتفاضة الأقصى، لإدراك الاحتلال أن أدنى غفلة أمنية، من شأنها أن تدفع نحو بنى تنظيمية مفاجئة، بالإضافة إلى إرادته بتثبيت حضوره الفاعل في الوعي الفلسطيني باستمرار.

ج. السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي من شأنها أن توجد بنية ثقافية واجتماعية فوقية، تحيّد جماهير الفلسطينيين عن النضال، وهو ما أخذ يتكرّس، كما سلف بيانه، بالتطابق بين سياسات الاحتلال واستجابة السلطة، وهو ما تجلّى في سياسات “السلام الاقتصادي” مع حكومة بنيامين نتنياهو و”تقليص الصراع” مع حكومة بينيت/ لابيد.

مع تصاعد موجة المقاومة، دفع الاحتلال بحملة جديدة سماها “كاسر الأمواج”، وبالرغم من أنه لم يتخذ سياسات تحدّ من دخول الفلسطينيين “القانوني” إلى الداخل المحتل، بمعنى أن سياسات تكثيف العمالة الفلسطينية في الداخل ظلّت قائمة، باستثناء العمالة “غير القانونية” التي حدّ دخولها بإغلاق “الفتحات” في الجدار العازل، فإنه دفع بسياسات أمنية اضطرارية تتناقض جزئيّاً مع نظرية تقليص الصراع؛ وذلك على النحو التالي:

1. تكثيف الحضور الأمني الفيزيائي للجيش الإسرائيلي في مناطق الضفة، بالوجود المكثف في الطرق الالتفافية، وبزيادة عمليات الاعتقال التي تحتمي دائماً بالجيش، مما يعني حضوراً يومياً للجيش في مختلف مناطق الفلسطينيين.

2. تسهيل عمليات القتل، بإعطاء أوامر بالقتل السريع للنشطاء الفلسطينيين، بما في ذلك مَنْ يلقي الحجارة، حتى بعد انسحابه من المكان، وهو ما يفسر نسبياً اتساع عمليات القتل في هذه السنة (2022) تحديداً، حيث منح رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي Aviv Kochavi، هذه الصلاحية لجنوده في شهر كانون الأول/ ديسمبر من السنة الماضية (2021).[24]

3. حصار المدن، كما حصل في حالة نابلس، لفترة من الوقت، وقد ظلّت العودة للسياسات الأمنية، المكثفة، التي استخدمت في أثناء انتفاضة الأقصى، بحصار المناطق وعزلها عن بعضها، حاضرة باستمرار في رؤية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فقد سبق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” أن اقترح على الجيش وبقية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية “فرض حصار جزئي، وإغلاق القرى والبلدات الفلسطينية التي تتوفر للمخابرات الإسرائيلية معلومات “وإنذارات” عن احتمال أن يخرج منها منفذون لعمليات ضد الاحتلال.. وسحب تصاريح العمل في إسرائيل من سكان مثل هذه القرى”.[25] وهو اقتراح، بقدر ما يكشف عن الضيق الإسرائيلي من تصاعد المقاومة في سنة 2022 في الضفة الغربية، فإنه يكشف أن الموقف الأمني هو الحاسم في الرؤية الإسرائيلية للضفة الغربية، مهما تعددت الرؤى بخصوص استيعاب الضفة اقتصادياً واجتماعياً. وهو ما يعني أمرين: الأول؛ أن المؤسسة الإسرائيلية بمستوياتها السياسية والأمنية لن تقبل من السلطة إلا أن تكون تمظهراً أمنياً للحاجة الإسرائيلية، والثاني؛ أن مركزية الرؤية الأمنية قد تتطابق في بعض القضايا مع المستوى السياسي الأكثر تشدداً في حال كان لقوى الصهيونية الدينية النفوذ الذي تطلبه في حكومة نتنياهو القادمة كما هو مفترض.

بالنظر إلى خريطة السياسات الإسرائيلية هذه، وبالرغم من تبني بنيامين نتنياهو لسياسات “السلام الاقتصادي”، فإنه وفي حال تصاعدت المقاومة، أو حافظت على وتيرتها المقلقة للأمن الإسرائيلي، فإنه يُتوقع زيادة في البطش الإسرائيلي، يتمثل في زيادة عمليات القتل المباشر، وهي سياسة سابقة على حكومة نتنياهو المتوقعة، ومن الخطأ ربطها بها، كما في حادثة القتل الأخيرة للشاب عمار مفلح في طريق حوارة نابلس، حيث قتله جندي إسرائيلي بلا أدنى سبب ظاهر،[26] في استمرار لهذا النمط من التعامل مع الفلسطينيين، وهو ما يتوقع أن يزداد مع زيادة نفوذ أحزاب الصهيونية الدينية والكاهانية في حكومة نتنياهو.

فقد اتفق بنيامين نتنياهو مع بتسلئيل سموتريتش Bezalel Smotrich زعيم حزب الصهيونية الدينية على إخضاع “الإدارة المدنية” لمسؤولية هذا الحزب،[27] و”الإدارة المدنية”، ذراعٌ تنفيذيةٌ باتت بعد توقيع اتفاقية أوسلو تابعة لما يسمى “منسق عمليات حكومة الاحتلال في المناطق”، وهي تعمل بموجب أوامر قائد المنطقة الوسطى/ الحاكم العسكري للضفة الغربية،[28] بيد أن نتنياهو اتفق مع سموتريتش، على فصل مسؤوليات في الضفة، بحيث يخضع قائد المنطقة الوسطى للجيش الإسرائيلي، أي القائد العسكري للضفة، لوزير الأمن، بينما تخضع “الإدارة المدنية” لوزير من الصهيونية الدينية يُعين في وزارة الأمن، وهو ما دفع قيادات سابقة في “الإدارة المدنية”، لتوقّع زيادة استهداف الفلسطينيين، أو الإفضاء في النتيجة إلى ضمّ الضفة الغربية، وهو ما يعني بالضرورة زيادة احتكاك الاحتلال بالفلسطينيين مما من شأنه أن يذكي المقاومة، حيث يقول رئيس “الإدارة المدنية” السابق إيلان باز Ilan Paz، إن فصل “الإدارة المدنية” عن الجيش ووزارة الأمن سيؤدي إلى حالة فوضى، ستقود في أعقاب هدم بيوت فلسطينيين إلى عمليات مسلّحة ينفذها فلسطينيون، “لأن الحديث هنا يدور عن أكثر عصب مكشوف – الأراضي والمستوطنات”.[29]

وغير بعيد عن ذلك إيتمار بن غفير Itamar Ben-Gvir، زعيم حزب “القوة اليهودية Otzma Yehudit”، الموعود من نتنياهو بوزارة الأمن القومي (وهي وزارة مستحدثة)، بما يشمل سلطات موسَّعة على الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك حرس الحدود، وهو ما من شأنه أن يزيد من الاعتداءات على المسجد الأقصى، كما يحذر من ذلك قادة عسكريون إسرائيليون سابقون.[30]

والحاصل أنّ “إسرائيل” سوف تتجه نحو سياسات أكثر عنفاً، بالنظر إلى الخطّ المتصاعد من هذه السياسات في مواجهة حالة المقاومة المتصاعدة بدورها، وبالنظر إلى مركزية العنف الأمني لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في محاولاتها تفكيك حالة المقاومة، وبالنظر إلى زيادة نفوذ الأحزاب الكاهانية وأحزاب الصهيونية الدينية وبما يمس الفلسطينيين في الضفة الغربية، سواء من حيث الأمن أم من حيث عمليات الضمّ وتصعيد الاستيطان والاعتداء على المسجد الأقصى.

2. السلطة الفلسطينية:

كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في كلمته للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والسبعين، في أيلول/ سبتمبر 2021، قد منح العالم مهلة سنة لانسحاب “إسرائيل” من الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967،[31] وقد انقضت المهلة، ومرّ على انقضائها حتى نهاية سنة 2022 أكثر من عام دون أن تدفع السلطة الفلسطينية نحو أيّ سياسات جديدة، وفي خطابه الأخير أمام المجلس الثوري لحركة فتح، عاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحديث عن انسداد الأفق السياسي، وعن انضمام “عتاة المتطرفين الصهاينة للحكومة الإسرائيلية الجديدة”، دون أن يقدم أي برنامج مختلف لحركة فتح أو لمنظمة التحرير أو للسلطة الفلسطينية، بل عاد واشترط الاعتراف بما يسميه الشرعية الدولية لإتمام المصالحة الفلسطينية،[32] وهو ما يعني بالضرورة، استمرار السلطة الفلسطينية في سياساتها ذاتها الرامية لتحسين شروط الأمر القائم، أو الحفاظ عليه دون أي توجه نحو المواجهة، أو تدعيم المقاومة.

وقد سبق عرض تحولات مسار السلطة، بافتقادها مرتكزات الشرعية، الأمر الذي جعلها محض هدف قائم بذاته بلا وعد سياسيّ، مما يجعلها مستندة بالضرورة إلى القوّة الأمنية والدعم الخارجي، وإذا كان هذا حاضراً طوال الفترة الماضية، فإنّه قد يتذرّع خلال المرحلة المقبلة بالدعوة لتفويت الفرصة على “الحكومة اليمينية المتطرفة”، بمعنى البحث عن غطاء سياسي للاعتقالات السياسية المتزايدة،[33] وتفكيك بنى المقاومة، لا سيّما المسلحة منها في شماليّ الضفة الغربية، وقد سبقت الإشارة إلى تفعيل سياسات الاحتواء والعفو، بهذا الخصوص، ومن ذلك ما قيل أخيراً عن نقل والد الشهيدين رعد وعبد الرحمن فتحي حازم إلى رام الله في هذا السياق،[34] بعدما صار نموذجاً ملهماً للمقاومين في مخيم جنين.

لكن المفاجآت قد تكون حاسمة في إيجاد مسارات جديدة لعمل السلطة، بحسب مسار خلافة الرئيس عباس، إن كان محكوماً بالاتفاق الفتحاوي أم الخلاف الفتحاوي، وإن كانت فتح سوف تضطر لاتفاق مؤقت مع حركة حماس لعبور المرحلة، كما فعلت ذلك بعد وفاة الرئيس عرفات، وإن كانت أحداث المقاومة قد تخرج عن السيطرة أم لا، كما سبق عرض هذه الاحتمالات كلّها فيما سبق.

3. المقاومة الفلسطينية:

يصعب الحديث عن المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية بوصفها بنية واضحة، مطالبة بسياسات محددة خلال المرحلة القادمة، وذلك لاتسام هذه المقاومة بقدر كبير من اللا مركزية، والأنماط غير المرتبطة بالبنى التنظيمية التقليدية.

وإذا كان متوقعاً استمرار المقاومة في أنماط متفرقة من العمليات النوعية، بالإضافة لكثافة الحدث اليومي في مواجهة الاحتلال كما سبق عرضه، مع احتمالات زيادة هذه الأعمال في حال أسفرت الحكومة الإسرائيلية عن زيادة بطش بالفلسطينيين واعتداء عليهم، فإنّ قوى المقاومة المنظمة والتقليدية، أمام مسؤوليات أكثر مما هي أمام خيارات، ومن ذلك:

أ. ضرورة الاستعجال في تجاوز العقبات التي تَحوْل دون قدرة هذه القوى على إعادة بناء نفسها، والتحايل على المنظومة الأمنية الإسرائيلية القائمة.

ب. عدم مدّ السلطة الفلسطينية بالذرائع التي من شأنها استعادة خطابات الانقسام ومشهديّته، لتطويق حالة المقاومة، والتيقظ لأي خطوات سياسية قد تكون على حساب حالة المقاومة، كخطوات مصالحة تهدف منها نخبة السلطة إلى تجاوز مرحلة مؤقتة، كمرحلة ما بعد الرئيس عباس، أو شراء الوقت لتعبئة الفراغ السياسي كما حصل في فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ج. تعزيز صمود الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، ولا سيّما الكوادر العاملة، والدفع نحو تطوير أفضل للتشكيلات المسلحة في شمالي الضفة الغربية، سواء من حيث الحسّ الأمني، والتخلي عن نمط العمل المكشوف، أم من حيث تطوير أدوات المواجهة والاستهداف للاحتلال.

د. الحرص على فكرة المقاومة وتطويرها، أكثر من البروز الذاتي للتنظيمات، وذلك لتصعيب مهمة استهداف تشكيلات المقاومة من السلطة بذرائع الخصومة السياسية، ولحشد الجماهير أكثر على عمل مقاوم متجاوز للعصبيات الحزبية، وتجنباً لأي خطابات تنافسية من شأنها أن تشحن كوادر المقاومة بعيداً عن الواجب المركزي.

هـ. ضرورة أن تصوغ المقاومة في غزة موقعاً لها على مستوى الخطاب والدعاية بما يجدد قدرتها على التأثير والإلهام والرفع المعنوي للجماهير في الضفة، مع التحفز الدائم للتدخل في الوقت المناسب، وفرض قواعد جديدة تحرم الاحتلال من تنفيذ سياسة “جز العشب” باستهداف ما تراكمه المقاومة في غزة من قدرات، كما حصل أخيراً بقصفه مواقع لكتائب القسام بذريعة إطلاق صواريخ مجهولة المصدر من غزة.[35]

و. بالإضافة لتجديد سبل الدعم المادي، تلزم خطط تعبوية وإعلامية تكاملية بين مختلف فصائل المقاومة، وعلى امتداد رقعة حضورها السياسي في العالم العربي، لتكثيف الوعي العربي، بما يجري داخل فلسطين، ولتوضيح حالة المقاومة اليومية الموجودة في الضفة الغربية، مع السعي لتعزيز مكانة القضية الفلسطينية لدى جماهير الأمة، وابتداع أشكال متجددة من الدعم لهذه القضية.

سابعاً: الخلاصة والتوصيات:

عرضت هذه الورقة لحالة المقاومة القائمة في الضفة الغربية، وحلّلت مساراتها الراهنة والقريبة، من أجل حيازة فهم أفضل وأكثر دقة لهذه الحالة، التي تذهب الورقة إلى كونها حالة كفاحية مفتوحة ومستمرة منذ سنة 2014، وقد أخذت دفعة جديدة بعد معركة “سيف القدس” في أيار/ مايو 2021، وبعد سلسلة عمليات مؤثرة في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2022، بما أفضى إلى أنماط جديدة من العمل المقاوم، واجهها الاحتلال الإسرائيلي بمزيد من البطش.

ثم عرضت الورقة، وبالنظر إلى المسارات التحليلية سابقة الذكر، إلى أهم عناصر التثوير الذاتي والموضوعي لحالة المقاومة، وأهم عناصر الكبح الذاتي والموضوعي، وعلى ضوء ذلك عرضت السيناريوهات المحتملة لمآلات المقاومة، مع ترجيح السيناريو الذاهب إلى استمرار المقاومة في نمط متوسط من الفعل على غرار ما هو جاري من عمليات متفرقة، ومحاولات لتطوير العمل المقاوم في أنماط أرقى، دون التوسع في انتفاضة شاملة لفقدها الشرط الأهم وهو موقف السلطة الفلسطينية، بيد أن المفاجآت المتصلة بموقع السلطة، أو سياسات الحكومة الإسرائيلية القادمة، من شأنها أن تسهم في صياغة مشهدية المقاومة الجارية.

وعلى ضوء ذلك، ختمت الورقة بالإشارة إلى السياسات المتوقعة لمجمل الفاعلين في المشهد الفلسطيني، من “إسرائيل” بأجهزتها ومستوياتها الأمنية والعسكرية، مع تحليل ما يمكن أن تسلكه حكومة بنيامين نتنياهو القادمة، إلى إعادة تكثيف عرض خيارات السلطة الفلسطينية ومسؤوليات المقاومة الفلسطينية إزاء ذلك كله.

وفي هذا السياق يمكن تلخيص أهم التوصيات، المضمنة في ثنايا هذه الورقة، فيما يلي:

1. ضرورة خروج السلطة الفلسطينية من مسارها الراهن، الذي وصل بالقضية الفلسطينية إلى ما تسميه قيادتها بالأفق المسدود، وذلك أولاً بالكفّ عن سياسات التنسيق الأمني والاعتقال السياسي، ثم الاستناد إلى وحدة وطنية على قاعدة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وفي حال لم تغيّر السلطة من سياساتها، وهو المتوقع، فينبغي على فصائل المقاومة أن تتنبه لما يمكن أن تستثمره السلطة لاحتواء حالة المقاومة القائمة بالأدوات الناعمة أو الخشنة.

2. تكثيف مساعي تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، لا سيّما مع ما هو محتمل من سياسات بطش وتوسع استيطاني من حكومة بنيامين نتنياهو القادمة، التي يتعمق فيها نفوذ الجماعات الكاهانية وجماعات الصهيونية الدينية.

3. أن تراجع فصائل المقاومة أساليبها في البحث عن سبل تتجاوز بها العقبات التي تحول دون قدرتها على تطوير بناها في الضفة الغربية، أو تعزيز دعمها لكوادرها في الداخل، بالإضافة إلى تطوير أدوات التعبئة والإعلام، والعمل لحشد جماهير الأمة على القضية الفلسطينية.

اكتب تعليقك على المقال :