التواطؤ الأميركي في اغتيال شيرين أبو عاقلة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : أسامة أبو إرشيد

بعد جريمة اغتيال مراسلة قناة الجزيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شيرين أبو عاقلة، الشهر الماضي (مايو/ أيار)، برصاصة من جندي إسرائيلي، تفاءل كثيرون عندما اتضح أنها تحمل الجنسية الأميركية. كان لسان حال هؤلاء أن كونها امرأة وصحافية معروفة ومسيحية، وفوق ذلك أميركية، سيدفع الولايات المتحدة إلى التحرّك بطريقة مختلفة عن حالاتٍ سابقةٍ لاستهداف فلسطينيين يحملون الجنسية الأميركية، ومحاسبة إسرائيل هذه المرّة. وفعلاً، كان استشهاد المسنِّ الفلسطيني – الأميركي، عمر أسعد (78 عاماً)، على يد قوة عسكرية إسرائيلية في الضفة الغربية، في شهر يناير / كانون الثاني الماضي، قد مرَّ مرور الكرام، بعد أن تطوعت وزارة الخارجية الأميركية محامياً واعتذارياً عن إسرائيل. لم تكن تلك المرّة الأولى، فقد قتلت إسرائيل وجرحت واعتدت على أميركيين من قبل، بمن في ذلك من بيض ويهود، وللأسف، فلن تكون الأخيرة، ومثال شيرين خير دليل. والحقيقة التي لا مراء فيها أن العلاقات الأميركية – الإسرائيلية مختلّة جذرياً، بحيث إن الوكيل يتصرّف وكأنه المُوَكِّلُ، ومتلقّي الهبات يتعامل وكأنه صاحبها، ومستجدي العون يَمُنُّ على مُعطيها، بل ويتعمد المبالغة في إهانته. تلكم قصةٌ طويلةٌ ليس هذا مكانها.

لو أردنا أن نفصّل في التجاوزات الإسرائيلية بحق الولايات المتحدة لاستلزم الأمر مجلدّات كثيرة، فمن التجسّس عليها، إلى تسريب التكنولوجيا العسكرية إلى خصومها، تحديداً الصين، ومن ابتزازها، إلى العبث بمعادلاتها السياسية الداخلية، ومن ضرب مصالحها القومية بعرض الحائط، إلى الاعتداء على مواطنيها، إهانةً وتنكيلاً وأذى وقتلاً، يستوي في ذلك المدنيون والعسكريون. يحدث ذلك كله، في حين تقف واشنطن متواطئة مع كيانٍ لا يمكنه الاستمرار من دون دعمها، وعلى كل الصعد، ديبلوماسياً، واقتصادياً، وعسكرياً. ومن ثمَّ، لا ينبغي أن يتعجّب أحد من الموقف المخزي لإدارة جو بايدن في التعامل مع ملف استشهاد أبو عاقلة، وإعلانها الثقة بقدرة إسرائيل على التحقيق بنفسها في جرائمها، رغم أنها تعلم علم اليقين، كما أثبت تقرير لوكالة فرانس برس، أنه منذ عام 2000 لم يُحاسب جنديٌّ إسرائيلي واحد على قتل صحافي. لقد أفلتوا جميعهم من العقاب، وعلى الأرجح، سيفلت قاتل شيرين أيضاً.

وحتى تصل الصورة إلى بعض من ما زال يراهن على موقف أميركي قوي مع إسرائيل، بعد أن تشرب إدارة بايدن “حليب السباع”، من المهم تذكيرهم أن مؤسسة الحكم الأميركية، العابرة للإدارات، لم تفعل ذلك، حتى عندما قتلت إسرائيل وجرحت جنوداً أميركيين كانوا في منطقة الشرق الأوسط بهدف حمايتها ودعمها. حدث ذلك في خضم شنِّ إسرائيل عدوانها على مصر وسورية والأردن، ففي عصر يوم الثامن من يونيو / حزيران 1967، تعرّضت سفينة التجسّس الأميركية “يو أس أس ليبرتي” لهجوم في المياه الدولية قبالة شبه جزيرة سيناء المصرية من مقاتلات وثلاثة زوارق حربية إسرائيلية. كانت النتيجة مقتل 34 وجرح 171 من أفراد طاقمها، في حين لحقت أضرار جسيمة بالسفينة. وحسب الوثائق الأميركية التي رفعت السرّية عنها، بعث قبطان السفينة ليبرتي، غير المسلحة، خلال الهجوم رسالة استغاثة إلى قيادة الأسطول الحربي الأميركي السادس التي أصدرت مباشرة أمراً للبارجتين العسكريتين، “يو أس أس أميركا” و”يو أس أس ساراتوغا”، بإرسال ثماني طائرات عسكرية، بالإضافة إلى طائرة للتزود بالوقود في الجو.

كانت الأوامر واضحة للطيارين: “الهجوم على ليبرتي تمَّ تصنيفه عملا عدوانيا”، وبأن “الدفاع عن “ليبرتي” يعني بالضبط ذلك. تدمير مهاجميها أو توقيفهم”. ولكن وقبل أن تقلع الطائرات الحربية وصلت برقية إلى البيت الأبيض من الملحق العسكري الأميركي في إسرائيل يعلمه فيها إن إسرائيل هي من شنت الهجوم على ليبرتي “خطأً”، ظناً منها، حسب المزاعم الإسرائيلية، أنها سفينة حربية مصرية. مباشرة، ألغي قرار إرسال المقاتلات وتحوّلت العملية إلى عملية إنقاذ.

ما تلا ذلك يظهر حجم تواطؤ إدارة ليندون جونسون في التغطية على جريمة إسرائيل التي أزهقت أرواح جنود أميركيين في المياه الدولية، رغم تيقنها (إدارة جونسون) من معرفة إسرائيل أنها كانت تهاجم سفينة تجسّس أميركية. وحسب الوثائق الأميركية، فإن وزير الخارجية الأميركي، حينئذ، دين راسك، تحدّث، في اليوم نفسه، مع السفير الإسرائيلي في واشنطن ووبخه، مبدياً استغرابه الشديد من أن البحرية الإسرائيلية لم تستطع تحديد هوية “ليبرتي”. اللافت أن الخارجية الأميركية التي اعتبرت الهجوم غير مقبول عبرت عن تقديرها لقيام حكومة إسرائيل سريعاً بإبلاغها عن مسؤولياتها عن الهجوم واعتذارها عنه، وإلا لكان ترتب على ذلك تداعيات كبيرة. ألا يذكّر ذلك بما يجري اليوم في قضية أبو عاقلة؟

على أي حال، وبعيداً عن التفاصيل، تشير الوثائق الأميركية إلى تفنيد إدارة جونسون مزاعم الحكومة الإسرائيلية أنها ظنت أن قواتها هاجمت السفينة العسكرية المصرية، “القصير”. أولاً، لم تكن “القصير” تشبه “ليبرتي”، فهي أقل من نصفها حجما، ولا تحمل الهوائيات التي تحملها، وهي قديمة مقارنة بها. ومن ثمَّ، لا يمكن تفسير كيف يمكن لضباط البحرية الإسرائيليين المهنيين والمدرّبين أن يفشلوا في تحديد الفرق بين السفينتين. ثانياً، كانت “ليبرتي” ترفع علماً أميركياً، وكانت تحمل تعريفا واضحا يدل على أنها أميركية، على عكس الادعاءات الإسرائيلية، فضلا عن أن الوقت كان نهاراً، والأجواء كانت ممتازة. ثالثاً، بناء على التحقيقات الأميركية، حلقت طائرة استطلاع إسرائيلية فوق “ليبرتي” قبل ساعة على الأقل من الهجوم عليها، ولا بد أنها حدّدت هويتها.

ومع أن التحقيقات الأميركية القائمة على اعتراض الاتصالات الإسرائيلية يوم الهجوم على سفينتها، أثبتت، حسب الوثائق الأميركية، أن جهة ما، على الأقل، في الحكومة الإسرائيلية، كانت تعلم بحقيقة هوية السفينة ليبرتي، إلا أن إدارة جونسون اختارت طيَّ الملف، على أساس أن الهجوم “خطأ مأساوي وقع في ظروف غامضة بريئة” و”غير مفهومة”.

مرَّ 55 عاماً منذ الهجوم الإسرائيلي على سفينة التجسّس الأميركية، ليبرتي، ولا يزال جنود وضباط وأهالي الضحايا يطالبون بتحقيق العدالة في قضيتهم وأخذ الحق لهم من إسرائيل، من دون جدوى. عشر إدارات أميركية متعاقبة، منذ جونسون إلى بايدن، لم تحرّك قيد أنملة من التواطؤ مع الدولة العبرية. نتمنّى ألا يكون هذا مصير جريمة اغتيال أبو عاقلة أيضاً، لكن المكتوب يُقرأ من عنوانه.

اكتب تعليقك على المقال :