الاعتداءات (الإسرائيلية) على غزة قبل وبعد انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : د. سعيد دهشان

(*) مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات/ بيروت

ورقة علمية: دراسة مقارنة في الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة قبل انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية وبعد ذلك
ملخص:
لأجل مقارنة الاعتداءات الإسرائيلية تجاه المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة قبل وبعد سنة 2015؛ تمّ القيام بإعداد جداول للتحليل والمقارنة للاعتداءات الإسرائيلية من حيث أنواعها، وأهدافها، ونتائجها، حيث تغطي الدراسة عشر سنوات مقسّمة إلى فترتين متساويتين؛ من أجل المقارنة بينهما، وهي خمس سنوات قبل سنة 2015 (2010-2014)، مقابل خمس سنوات بعدها (2015-2019)، وتمّ تحديد ثلاثة مجالات للمقارنة بينها وهي:

1. الضحايا.
2. الهجمات.
3. لأهداف المصابة.
وقد وجد الباحث من خلال نتائج الإحصائيات والمقارنة بينها، بأن هناك تراجعاً كبيراً في أعداد القتلى؛ فمن 2,730 في الفترة الأولى تراجعت إلى 436 في الفترة الثانية، فيما كانت نسبة القتلى من السيدات والأطفال إلى بقية القتلى تمثل 34.4% لتتراجع إلى 21.6%. وعند مقارنة نسبة القتلى إلى الجرحى في كل فترة تبيّن أنها كانت بتناسب 51 جريحاً مقابل كلّ 10 قتلى، لترتفع بشكل كبير وتصبح 508 جريحاً مقابل كل 10 قتلى.

ومن جانب آخر فقد تراجعت أعداد الهجمات على قطاع غزة من 17,365 لتصبح 3,705، ورافق ذلك تراجعاً نوعياً في القصف الجوي والمدفعي، فمن 15,025 هجوم في الفترة الأولى، أصبح 599 في الفترة الثانية، كما تراجعت نسبة القصف الجوي والمدفعي إلى بقية أنواع الهجمات، فقد كانت تمثّل 86.5% لتصبح 16.1%. ومن ناحية ثالثة فقد تراجعت أعداد الأهداف المصابة من 59,155 لتصبح 23,464، كما توقف جيش الاحتلال عن استهداف أهداف معينة، مثل استهداف السيارات والدراجات النارية، بالإضافة إلى استهداف المنازل السكنية، بينما زاد في أخرى، مثل استهداف المتظاهرين السلميين، وكلّ ذلك يؤكّد بأن “إسرائيل” قد غّيرت من حجم ونوعية اعتداءاتها تجاه قطاع غزة، بعد انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية في سنة 2015، فقد تراجعت الاعتداءات عددياً، وتغيرت نوعياً.

مقدمة:
1. لماذا سنة 2015؟
بعد انتهاء الحرب على غزة صيف 2014، والتي استمرت 51 يوماً، ازدادت الضغوط الشعبية والفصائلية على السلطة الفلسطينية للانضمام لنظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك لمقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين. وبالفعل في مطلع سنة 2015، أودعت الحكومة الفلسطينية صكّ الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، والذي دخل حيز النفاذ في 1/4/2015، والمحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة جنائية دولية دائمة، ويدخل في اختصاصها كل شخص ارتكب جريمة من المشار إليها في المادة 5 من نظامها وفقاً لشروط الاختصاص، فلا حصانة لأحد مهما كان منصبه أو جنسيته. وقد ثار حينها جدل واسع بين المتخصصين والمهتمين، حول مدى تأثير ذلك الانضمام على طبيعة الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية تجاه المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، فالبعض ادعى بأن “إسرائيل” لن تغيّر أي شيء من سلوكها العسكري تجاه المدنيين، وأنها لا تكترث بالقانون الدولي، ولا بالمحكمة الجنائية الدولية، والبعض الآخر قال بأن “إسرائيل” ستغيّر بعضاً من ممارساتها العسكرية كمّاً ونوعاً تجاه المدنيين الفلسطينيين، بمعنى أنها ستعدّل من سلوكها، والبعض الآخر كان متفائلاً أكثر، حين قال بأن “إسرائيل” ستتوقف نهائياً عن استهداف المدنيين، والأهداف المدنية، وستكتفي فقط باستهداف المقاومة الفلسطينية. كلّ ذلك أثار في نفس الباحث الحماسة للرجوع إلى المصادر الأولية، من تقارير متنوعة لمؤسسات حقوق الإنسان في فلسطين لإعداد دراسة إحصائية مقارنة حول أعداد الهجمات، ونوعيتها، والضحايا وطبيعتهم، والأهداف المصابة ونوعيتها، لمعرفة مدى التغيرات الحاصلة في السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه قطاع غزة، وانعكاس ذلك على حجم ونوعية الاعتداءات على القطاع، بين فترتين متساويتين، الأولى منذ سنة 2010 وحتى سنة 2014، والثانية منذ سنة 2015 وحتى سنة 2019.

2. التغيرات أم الأسباب؟
ولكن المتتبع للسلوك الإسرائيلي في السنوات الخمس التي تلت الانضمام، يلاحظ بأن “إسرائيل” لم تتوقف عن استهداف قطاع غزة بين الحين والآخر، أو أنها ربما قامت بتكييف سلوكها العسكري بما يلائم المتغير الأهم، من وجهة نظر الباحث، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن السنوات الخمسة التي تلت الانضمام (2015-2019) قد شهدت تغيرات عدة على الصعد المختلفة، منها الفلسطيني والإسرائيلي، والإقليمي، والدولي، والتي قد تسهم بدرجة أو بأخرى في التأثير زيادة أو نقصاناً في مستوى ونوعية الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، مع التأكيد بأن هدف هذه الدراسة هو البحث في وجود تغيرات في طبيعة الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع أم لا؟ ثم ما هو مقدارها؟ ونوعيتها؟، إن وجدت، أما البحث في أسباب تلك التغيرات، إن وجدت، ومدى إسهام كلّ سبب أو عامل مؤثر في تلك التغيرات، فذلك بحث آخر قد يترتب على نتيجة هذا البحث. وبالرغم من ذلك فقد تمّ في خلاصة هذه الدراسة نقاش مختصر حول اتجاه العوامل الأخرى، سواء بتوفير بيئة تدفع للزيادة أم للتراجع بخصوص تلك الاعتداءات، التي من المفترض أنها انعكست على حجم ونوعية الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.

المنهجية:
ومن أجل ذلك حدد الباحث مكان الدراسة في قطاع غزة، والذي هو أكثر المناطق الفلسطينية استهدافاً وبشكل متكرر من قبل قوات الجيش الإسرائيلي، كما تمّ تحديد زمن الدراسة بعشر سنوات، قسمت لفترتين، الأولى تشمل السنوات 2010-2014، والثانية تشمل السنوات 2015-2019، وهي ما سيصطلح عليها بفترتي الدارسة. وقد تمّ تحديد ثلاثة مجالات للمقارنة بينها بين فترتي الدراسة، وهي:

1. أعداد الضحايا الفلسطينيين في القطاع.
2. الهجمات الإسرائيلية على القطاع.
3. أنواع الأهداف التي أصابتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، وقد صمّم الباحث فئات داخل كل مجال.

ثم تمّ بعد ذلك المقارنة بين كافة المجالات والفئات بين فترتي الدراسة. وقد تمّ الاعتماد على الإحصائيات الرسمية والموثقة، التي تصدرها مراكز حقوق الإنسان الفلسطينية؛ وبالذات مركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وفي حال اختلفت الإحصائيات بينهما، فقد تمّ تقديم مركز الميزان أولاً لما يتميّز به من جودة التصنيف، ولاختصاصه للعمل في قطاع غزة، مع التنويه إلى الدقة الكبيرة لهذه التقارير، والتي هي من الأدلة العلمية المحايدة، والتي يمكن الاستدلال بها، واستخلاص النتائج المعتبرة، مع اعتماد هامش الخطأ الذي تعتمده هذه المراكز وهو 5%، وبالتالي فالمنهج المتبع لهذه الدراسة هو المنهج الإحصائي، ومنهج التحليل المقارن.

أما عن منهجية التعامل مع البيانات والإحصائيات غير المفصّلة، وفقاً لما تتطلبه فئات في هذه الدراسة، فقد تمّت المعالجة وفقاً لما يلي:

في حالة الهجمات بالأسلحة الرشاشة، فقد كان يتم تحديدها إن لم تكن مثبتة في التقارير من خلال؛ أعداد القتلى والجرحى في المناطق الحدودية، مثل المزارعين وعمال جمع الخردة، ويضاف عليها المصابين أو القتلى في المسيرات السلمية قرب السياج الحدودي، والتي على الأرجح أن إصاباتهم كانت تتم بأسلحة رشاشة.

أما تحديد أعداد القتلى والجرحى من المقاومين، من بين مجموع القتلى والجرحى في إحدى الأعوام، فيتم وفقاً لما يلي:

إن لم يكن مذكوراً في تقارير مركز الميزان فيتم الرجوع إلى تقارير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن وجدت، وإلا فيتم احتساب نسبة 30% من القتلى والجرحى في ذلك العام من المقاومين، و70% مدنيين، وهذه المعادلة تمّ استنباطها من التقارير السنوية ومن الحروب الثلاثة.
أما استهداف المباني الحكومية والبلدية فيتم إضافتها إلى فئة المنازل السكنية والمنشآت المدنية في فئة واحدة. مع التنويه بأن الدراسة قد اعتمدت المنازل السكنية التي دُمّرت بشكل كامل أو جزئي، وتمّ إهمال المنازل التي تضررت بأضرار طفيفة، مع بيان المراجع والمصادر في كل حالة.

وقد تمّ تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة فروع، يتناول الأول تحليل ومقارنة أعداد الضحايا، والثاني تحليل ومقارنة الهجمات، أما الثالث فيتناول تحليل ومقارنة الأهداف التي تعمّدتها القوات الإسرائيلية على قطاع غزة بين فترتي الدراسة.
الفرع الأول: تحليل ومقارنة أعداد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة في الفترتين:

بالطبع لم تكن البيانات مفصّلة في تقارير المؤسسات وفقاً لما تمّ تقسيمه في هذه الدراسة، مما تطلّب القيام بعمليات حسابية في بعض الفئات. وبخصوص الضحايا، اعتمد الباحث تصنيفهم لثلاث فئات، وهي:

1. فئة القتلى من السيدات والأطفال.
2. فئة بقية القتلى.
3. فئة الجرحى.

ولم يتم فرز فئة القتلى الآخرون إلى فئات مثل مقاومين ومدنيين، لعدم توفّر بيانات دقيقة لكافة السنوات العشر موضوع الدراسة، ولكن تمّ معالجة موضوع المقاومين عندما يكونون أهدافاً، سواء جرحى أم قتلى (شهداء) في الفرع الثالث الخاص بالأهداف المصابة، حيث الحاجة هنا أكبر للمقارنة بين أعداد القتلى والجرحى بشكل عام، وقد تمّ عرض بيانات كل عام في الجدول التالي بشكل مفصّل ليعطي صورة تفصيلية، ثمّ تمّ جمع بيانات الأعوام الخمسة الأولى معاً، وكذلك بيانات الأعوام الخمسة الأخيرة في مجموعة أخرى لتسهيل عمليات التحليل والمقارنة واستخلاص النتائج بعد ذلك.

ومن الجدير بالذكر، أن سنة 2012 قد شهدت الهجوم العسكري الإسرائيلي الواسع الذي عُرف باسم (معركة حجارة السجيل/ عمود السحاب)، والتي استمرت لمدة ثمانية أيام من 14-21/11/2012، وقد قتل خلالها 179 شخصاً، وهذا يُفسّر الارتفاع النسبي في أعداد الضحايا قياساً بسنة 2011. أما سنة 2013 فيلاحظ فيها انخفاضاً كبيراً لأعداد الضحايا، ويرجع ذلك برأي الباحث إلى سببين، السبب الأول الدور الإقليمي للديبلوماسية المصرية في زمن الرئيس (محمد مرسي)، والسبب الثاني الترقب الإسرائيلي الحذر للتغيرات الدراماتيكية في مصر، والإطاحة بالرئيس محمد مرسي. في حين أن سنة 2014 قد شهدت ارتفاعاً كبيراً في أعداد الضحايا، ربما لم يسبق مثله منذ الاحتلال سنة 1967، حيث شهدت هذه السنة أطول مدة للمعارك بين “إسرائيل” والمقاومة الفلسطينية، حيث استمرت لمدة 51 يوماً متواصلة، قام خلالها الجيش الإسرائيلي بكافة أشكال العدوان، بكافة أنواع الأسلحة، والصواريخ، والقذائف، والمتفجرات، مما ترك هذا العدد الكبير من الضحايا، بالإضافة إلى الدمار الكبير والواسع في البنية التحتية، والمساكن، والمنشآت المدنية، وذلك في كافة مدن وبلدات القطاع.

كما يمكن ملاحظة الانخفاض الكبير في أعداد الضحايا في السنوات الثلاثة التي أعقبت انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، وهي السنوات 2015 و2016 و2017، أما السنتين 2018 و2019 فقد شهدا مسيرات العودة الكبرى، والتي أدت لزيادة في أعداد الضحايا، ولكنها على الرغم من ذلك ليست مثل فترة ما قبل الانضمام، وربما يرجع السبب في ذلك إلى قرار الجيش الإسرائيلي بقمع مسيرات العودة،[14] واعتبارها خطراً حقيقياً على “إسرائيل”، ولذلك تمّ التصدي لها بالقوة المفرطة المميتة، ما أدى إلى الارتفاع الملحوظ في أعداد الضحايا في سنة 2018، ويليه سنة 2019.

ومن خلال دراسة الجدول السابق، والمقارنة بين فترتي الدراسة تتضح النتائج التالية:

1 . انخفضت أعداد القتلى[15] بشكل كبير في الفترة الثانية قياساً بالفترة الأولى، فقد كان مجموع القتلى في الفترة الأولى 2,730 شخصاً، لتتراجع إلى 436 شخصاً في الفترة الثانية، أي بمعنى أن قتلى الفترة الأولى يمثلون أكثر من ستة أضعاف الفترة الثانية.

2. هناك تراجع نوعي في عدد القتلى من السيدات والأطفال، فقد كانوا 940 من أصل 2,730 قتيلاً خلال الفترة الأولى، وهذا يمثل نحو 34.4% من مجموع القتلى. ليصبح 94 قتيلاً من أصل 436 قتيلاً في الفترة الثانية، وهذا يمثل نحو 21.6% من مجموع القتلى.

3. بلغ عدد الجرحى في الفترة الأولى 13,948 جريحاً، ليرتفع في الفترة الثانية بشكل ملفت إلى 22,165 جريحاً، بمجموع 36,113 جريحاً في الفترتين، أي أن الفترة الثانية تمثل لوحدها أكثر من 61% من الجرحى، بسبب مسيرات العودة الكبرى.

4. كانت نسبة الجرحى إلى القتلى في الفترة الأولى تمثّل نحو خمسة أضعاف، وبالتحديد كان كلّ 10 قتلى يقابلهم 51 جريحاً، أما في الفترة الثانية فأصبحت النسبة نحو واحد وخمسون ضعفاً، أي بمعنى أن كل 10 قتلى يقابلهم 508 جرحى.

5. إن معظم الجرحى في الفترة الثانية قد وقعوا خلال السنتين 2018 و2019، حيث جرح 13,946 شخصاً في سنة 2018، بينما جرح 5,821 شخصاً في سنة 2019، وذلك بسبب مسيرات العودة التي رفعت أعداد الجرحى بشكل كبير، وبالمناسبة فنسبة الجرحى في هذين العامين تمثل أكثر من 89% من جرحى في الفترة الثانية بأكملها!

الفرع الثاني: تحليل ومقارنة أعداد الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة قبل وبعد انضمام فلسطين للمحكمة:

يهدف تحليل الهجمات[16] والأسلحة المستخدمة في كل هجوم، إلى بيان التغيرات العددية والنوعية في استخدام الأسلحة، فمعلوم أن هجوماً بالأسلحة الثقيلة كالقصف الجوي أو المدفعي، لا بدّ أنها تترك أضراراً أكبر من استخدام الأسلحة الرشاشة أو التوغلات، وقد تمّ تقسيم الهجمات إلى خمسة فئات بحسب السلاح المستخدم فيها، كما تمّ عرض بيانات كلّ عام لوحده لمزيد من التفصيل، ثمّ جمع بيانات كل فترة من فترتي الدراسة بشكل عام وفق ما يلي:

ومن خلال دراسة الجدول السابق، والمقارنة بين نتائج فترة ما قبل الانضمام بفترة ما بعد الانضمام يتبين ما يلي:

1. يلاحظ التراجع الكبير في أعداد الهجمات الإسرائيلية بشكل عام، وعلى الرغم من دخول عامل مؤثر بشكل كبير ومهم في السنتين الأخيرتين 2018 و2019 وهو مسيرات العودة الأسبوعية، إلا أن ذلك لم يؤثر على نتيجة الدراسة، فحجم الهجمات قبل الانضمام ليس كما بعده، فمن 17,365 هجوم في الفترة الأولى بنسبة 82% تراجعت الهجمات لتصل إلى 3,705 هجمات في الفترة الثانية بنسبة 18%.  


2. أما بشكل تفصيلي فيلاحظ التراجع الكبير في أعداد الهجمات خلال الفترة الثانية في ثلاث فئات وهي: القصف الجوي، والقصف المدفعي، والتوغلات، بعكس فئتي الهجمات بالأسلحة الرشاشة، والقصف البحري والتي ازدادت في الفترة الثانية.

3. يلاحظ التراجع بشكل كبير في استخدام قوات الاحتلال للأسلحة الثقيلة (أي القصف الجوي والمدفعي)، ففي الفترة الأولى بلغت الهجمات بالأسلحة الثقيلة 15,025 بنسبة 96% لتتراجع إلى599 بنسبة 4% في الفترة الثانية، وهذا له دلاله مهمة في هذه الدراسة، فكما هو معروف فإن استهداف المناطق السكنية والمدنية بالقصف يُعد من جرائم الحرب، ويبدو أن “إسرائيل” قد بدأت تحسب للمحكمة حساباتها، والتي أثّرت على سلوكها العسكري كماً ونوعاً.

4. كما يلاحظ أن هناك تراجعاً في استخدام الأسلحة الثقيلة في الهجمات؛ قياساً إلى بقية الأسلحة والهجمات خلال الفترة الثانية، فقد كانت نسبة القصف الجوي والمدفعي إلى بقية أنواع الهجمات في الفترة الأولى نحو 86.5% من مجموع الهجمات، بمعنى أنه من كلّ مئة هجوم في الفترة الأولى كان منها نحو 87 هجوم بالأسلحة الثقيلة، أما في الفترة الثانية فقد تراجعت قوات الاحتلال في استخدام الأسلحة الثقيلة قياساً إلى بقية أنواع الأسلحة والهجمات لتصبح 16.1% فقط من مجموع الهجمات، بمعنى أنه من كلّ مئة هجوم في الفترة الثانية كان منها 16 هجوم بالأسلحة الثقيلة فقط، مما يعني تراجع نوعي يضاف إلى التراجع العددي في الهجمات.

الفرع الثالث: تحليل ومقارنة الأهداف التي تعمّدتها القوات الإسرائيلية على قطاع غزة في الفترتين:

بخصوص الأهداف التي تعمّدتها قوات الجيش الإسرائيلي وأذرعه العسكرية فهي كثيرة ومتنوعة، ومن أجل تقريب الصورة ولأغراض المقارنة بشكل معياري؛ فقد قام الباحث بتوزيع تلك الأهداف ضمن ست فئات هي:

1. مواطنون، وعمال، وصيادو الأسماك.

2. المتظاهرون السلميون.

3. منازل سكنية، ومنشآت مدنية.

4. أراضي زراعية أو مناطق حدودية.

5. مقاومون أو مواقع مقاومة.

6. سيارات أو دراجات نارية.

وأيضاً تمّ عرضها بشكل مفصّل لكل عام وبشكل مجمل لكل فترة من فترتي الدراسة، ويقدم الجدول التالي عرضاً مفصّلاً لأعداد ونوعية الأهداف التي تعمّدتها القوات الإسرائيلية خلال فترتي الدراسة وهي السنوات العشر؛ الفترة الأولى (2010-2014)، والفترة الثانية (2015-2019)، وفق التفصيل التالي:

1. يوضح الجدول بأن الأهداف التي تعمّدت قوات الاحتلال قصفها في الفترة قبل الأولى قد بلغت 59,155، وهي تمثل نحو 71.6% من مجموع الأهداف في الفترتين، بينما بلغت الأهداف التي أصابتها قوات الاحتلال في الفترة الثانية 23,464 هدفاً، وهي تمثل 28.4% من مجموع كافة الأهداف في الفترتين، وهذا يعطي دليلاً آخر على التغير الكبير في السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه قطاع غزة بين الفترتين.

2. لو استثنينا فئة المتظاهرون السلميون من كلتا الفترتين، والتي جاءت في سياق مختلف، فسوف نجد أن الأهداف المصابة في الفترة الأولى هي58,918 ، وسيصبح مجموع الأهداف في الفترة الثانية 1,846، وهذا يعني أن الفترة الأولى وقعت فيها نحو 97% من مجموع الأهداف المصابة في الفترتين بعد استبعاد فئة المتظاهرون السلميون.

3. عند المقارنة التفصيلية بين الفئات في كلتا الفترتين يتبين وجود تراجع كبير في كافة الأهداف من كلّ الفئات وبنسب كبيرة، باستثناء فئة المتظاهرين السلميين، واللافت أن بعض الفئات قد تراجع الاستهداف فيها بدرجات كبيرة تكاد تصل إلى الصفر في الفترة الثانية، مثل فئة السيارات، والدراجات، وقريب من ذلك فئة المنازل التي تمثل 1% فقط في الفترة الثانية، مما يشير إلى تغير ملحوظ في السلوك العسكري الإسرائيلي، وخصوصاً أن استهداف المنشآت والأعيان المدنية يُعد من جرائم الحرب، بحسب اتفاقية جنيف الرابعة.

4. وعلى العكس تماماً فقد قفزت فئة المتظاهرون السلميون بشكل دراماتيكي، فقد كانت في الفترة الأولى نحو 237 استهداف، وقد وصلت في الفترة الثانية إلى 21,618 استهداف؛ نسبة تصل إلى 99% من الاستهداف لهذه الفئة في كلتا الفترتين، وقد استحوذت سنة 2018 على النصيب الأكبر منها تليه سنة 2019، واللتان شكلتا نحو 90% من استهداف المتظاهرين في الفترة الثانية.

5. وعند مقارنة النوعية داخل كل فترة من الفترتين على الفئات الأكثر استهدافاً فيها، ومن خلال النظر إلى الشكلين التاليين، يتبين بشكل واضح بأن هناك تغير واضح في نوعية الأهداف التي تعتمدها قوات الاحتلال في الفترة الثانية، فقد اختفت فئات وظهرت أخرى، وتراجعت فئات بشكل كبير، وازدادت أخرى بشكل مدهش، مما يؤكّد ما تمّ التوصل إليه في هذه الدراسة، بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد غيّرت من سلوكها العسكري تجاه قطاع غزة كماً ونوعاً.

فبينما كانت أكثر الفئات استهدافاً في الفترة الأولى هي المنازل والمنشآت، إذا بها تتغير بشكل كلّي في الفترة الثانية لتصبح فئة المتظاهرون؛ والتي كانت أقل الفئات استهدافاً في الفترة الأولى هي الفئة الأكثر استهدافاً في الفترة الثانية.

الخلاصة:

1. نقاش قبل النتائج:

على الرغم من أهمية انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية كعامل مهم ومؤثر في حجم ونوعية الاعتداءات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، إلا أن الباحث يتفق مع الرأي القائل بأن السلوك العسكري الإسرائيلي يتأثر بعدة عوامل وليس عاملاً واحداً، والتي قد تسهم بدرجة أو بأخرى في التأثير بفتح المجال لمزيد من الاعتداءات أو بالتضييق والدفع لتراجع حجم وطبيعة تلك الاعتداءات.

ومن خلال المراقبة والتحليل يمكن تحديد أربعة أنواع رئيسية من العوامل التي يمكن أن تسهم بدرجة أو بأخرى في التأثير على حجم ونوعية الاعتداءات الإسرائيلية بشكل عام، والحديث هنا عن التأثير ذو الأثر الممتد وليس اللحظي أو الذي تتطلبه ظروف عملياتية طارئة، والأنواع هي:

1. العوامل الداخلية الإسرائيلية.

2. العوامل الفلسطينية.

3. العوامل الإقليمية.

4. العوامل الدولية.

ويندرج تحت كل واحد منها عدد من العوامل المؤثرة، وإذا نظرنا في اتجاه التأثير لهذه العوامل على طبيعة الاعتداءات فهي مختلفة في الاتجاه، فبعضها يدفع نحو مزيد من الاعتداءات وأخرى تدفع لتقليص الاعتداءات. والسؤال الأهم: ما الذي تغير من هذه العوامل في فترة الدراسة الثانية ولم يكن في الفترة الأولى؟ وبالتالي تسبب بهذا التراجع العددي والنوعي في الاعتداءات الاسرائيلية؟

لا يتسع المقام لتحليل كل واحد من هذه العوامل على حدى، ولكن بالمجمل فمعظم تلك العوامل توفر بيئة مناسبة لمزيد من العدوان على غزة، فمن العوامل الداخلية الإسرائيلية مثلاً طبيعة الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وشخصية وزير الدفاع، واقتراب مواعيد الانتخابات، ومن العوامل الفلسطينية حالة الانقسام الفلسطيني، ومن العوامل الإقليمية تصاعد الثورات المضادة للربيع العربي، ومن العوامل الدولية مستوى دعم الإدارة الأمريكية، فكلها تسمح بزيادة الاعتداءات. كما أن هناك عوامل بقيت كما هي في الفترتين، مثل تأثير المنظمات الدولية. ولكن في الاتجاه الآخر، هناك عوامل تؤثر في تراجع الاعتداءات، مثل تصاعد قوة الردع لدى المقاومة الفلسطينية، وحرص القيادة الإسرائيلية على تمرير مشروع التطبيع مع الدول العربية، الذي قد يتطلب تقليل حدة التوتر مع غزة، والتي قد تعمل بجانب تأثير انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، ولكن برأي الباحث وإن تداخلت عدة عوامل في تقليل وتراجع الاعتداءات على قطاع غزة، فإن انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية هو العامل الأهم، بدليل التغيرات النوعية التي تكيفت فيها القيادة العسكرية الإسرائيلية مع شروط ومواد جرائم الحرب المعتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية، وليست تغيرات عددية، على الرغم من دلالتها الكبيرة، وهذه بعض الأدلة التي يراها الباحث أنها نوع من ذاك التكيف:

1. جاء التراجع الكبير في أعداد الهجمات بالأسلحة الثقيلة بتناسب 96% إلى 4% مصحوباً بتراجع نوعي لصالح الأسلحة الخفيفة، فمن كل 100 هجوم في الفترة الأولى كان 87 هجوماً بالأسلحة الثقيلة، لتتراجع في الفترة الثانية لتصبح 16 هجوماً فقط بالأسلحة الثقيلة من بين كل 100 هجوم. وهذا ربما يكون تكيفاً مع المادة 8/2/أ/4 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية الذي تجرّم “تعمد شن هجوم … يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة”. وكذلك المادة 8/2/ب/20، والتي تحرّم “استخدام أسلحة أو قذائف… تسبب بطبيعتها أضراراً زائدة أو آلاماً لا لزوم لها”.

2. توقفت قوات الاحتلال عن استهدافها للسيارات المدنية والدراجات النارية؛ من 1,311 في الفترة الأولى أصبحت فقط 4 في الفترة الثانية، وقريب من ذلك تراجع استهداف المنازل والمنشآت المدنية لتصبح 1% فقط مما كانت عليه في الفترة الأولى. وهذا ربما يكون تكيفاً مع المادة 8/2/ب/5 التي تحرّم “مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن… التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت”، والمادة 8/2/ب/24 التي “تجرّم تعمد توجيه هجمات ضدّ المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل”

3. التراجع النوعي في أعداد القتلى من السيدات والأطفال نسبة إلى بقية القتلى، من 34.4% إلى 21.6% في الفترة الثانية. مع العلم بأن هاتين الفئتين (السيدات والأطفال) هما من أكثر الفئات المحمية وفقاً لاتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، و”إسرائيل” دولة طرف في تلك الاتفاقيات.

ومن ناحية ثانية قد يقول قائل بأن الفترة الأولى قد شملت حربين بخلاف الفترة الثانية، وهو الذي تسبب في هذا الارتفاع الملحوظ في أعداد الهجمات والضحايا في الفترة الثانية، وعلينا قبل الإجابة على ذلك بأن نوضح بأن مصطلح “حرب” الوارد في هذه الورقة هو استخدام مجازي لما يغلب عند القراء، والحقيقة أنه وفقاً للقانون الدولي فقطاع غزة والضفة الغربية في “حالة الحرب” مستمرة منذ 5/6/1967، وحتى الآن. أما المصطلح الأدق لما حدث في السنوات 2008 و2012 و2014 فهو “هجوم عسكري شامل”، ثم إن وقوع هجومين عسكريين شاملين في فترة الدراسة الأولى وعدم حدوث مثلها في الثانية يصب في نتيجة هذه الدراسة، وهي بأن “إسرائيل” استخدمت الهجمات العسكرية الشاملة وكذلك المحدودة في الفترة الأولى، بينما اقتصرت في الفترة الثانية على استخدام الهجمات المحدودة فقط، وكلها تعد اعتداءات وفقاً للقانون الدولي.

2. النتائج:
يُستنتج من الإحصائيات السابقة بما لا يدع مجالاً للشك؛ بأن “إسرائيل” قد غيرت من حجم ونوعية اعتداءاتها على قطاع غزة، وذلك وفقاً لبيانات فترتي الدراسة، فقد أوضحت البيانات بشكل قاطع أن السنوات 2015-2019 شهدت تراجعاً كبيراً في أعداد القتلى الفلسطينيين، وتراجعت أيضاً نسبة القتلى من النساء والأطفال، كما تراجعت أعداد الهجمات الإسرائيلية العسكرية على قطاع غزة بشكل كبير، وبالذات الهجمات بالأسلحة الثقيلة من القصف الجوي والمدفعي، كما تراجع عدد الأهداف التي قصدتها قوات الجيش الإسرائيلي بشكل كبير، وبالذات استهداف المنازل، والمنشآت المدنية، وكذلك توقف قصف السيارات المدنية شبه كلياً.

وعليه يمكن القول بأن هذا مؤشر قوي على وجود تغيرات جوهرية في السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه قطاع غزة بعد انضمام فلسطين لميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، ومع الإقرار بأنه ليس العامل الوحيد، إلا أنه العامل الأهم برأي الباحث بدليل التغيرات النوعية كما أسلفنا، وأن الاعتداءات قد تراجعت عددياً وتغيرت نوعياً، والإحصائيات السابقة خير دليل.

اكتب تعليقك على المقال :