الأزمة السياسية في الحضارة الإسلامية: لزوم الجماعة وإمامها (11)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : جميل أبو بكر

قيم البناء السياسي              

9- لزوم الجماعة وإمامها:

نشأ الإسلام من أول يوم دينا جماعيا اجتماعيا, لا يقف عند حدود خلاص الفرد في الآخرة, بل يسعى إلى خلاص الجماعة في الدنيا ايضا, والى بناء حياتها الجماعية على أسس صحيحة. ففي فجر الدعوة التام المسلمون الأولون في مكة في جماعة قليلة العدد, تتلاقى سرا في دار الأرقم بن أبي الأرقم لعبادة ربها, ومدارسة شانها العام. وفي المدينة كان أول ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إعلان المؤاخاة بين المهاجرين والانصار, وهي مؤاخاة صهرت العناصر المكونة لجماعة المسلمين من أهل مكة ويثرب في كيان واحد. وعند مراجعة الحوارات بين المسلمين والمواقف ,يتبين مدى التغيير السياسي الذي ادخله الإسلام على حياة العرب.

وقد أسس دستور المدينة- الذي امر به الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابته بعيد الهجرة- وحدة الجماعة, فنص في صدره على ان” المؤمنين والمسلمين من قريش واهل يثرب, ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم…..أمة واحدة دون الناس” . وظهر مصطلح “جماعة المسلمين” في وقت مبكر جدا من تاريخ الإسلام, وفي احاديث عديدة للرسول صلى الله عليه وسلم وفي تعبيرات الصحابة رضوان الله عليهم. ومن ذلك ما ورد في وثيقة عهد بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام إلى ال مرحب, وهم قوم من حضرموت: “وان نصر ال ذي مرحب على جماعة المسلمين, وان أرضهم بريئة من الجور. “كما ورد في ختام رسالة معاذ بن جبل إلى عمربن الخطاب عند وفاة أبي عبيدة ” فجزاك الله عن جماعة المسلمين, وعن خاصتنا وعامتنا, رحمته ومغفرته ورضوانه وجنته “.

وقد تضافرت الاحاديث النبوية الحاضة على لزوم الجماعة, المرغبة فيه وفي ثمراته. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ” سيكون بعدي هنات وهنات, فمن رأيتموه فارق الجماعة, او يريد ان يفرق بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم جميع, فاقتلوه ,كائنا من كان, فان يد الله مع الجماعة, وان الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض”. كما تضافرت احاديث أخرى بالنكير الشديد على من شذ عن الجماعة, وفرق كلمتها, وخرج على نظامها. منها قوله صلى الله عليه وسلم: “أنا أمركم بخمس, الله امرني بهن : بالجماعة, والسمع , والطاعة , والهجرة , والجهاد في سبيل الله . فان من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا ان يرجع, ومن دعا بدعوى الجاهلية , فهو من جثاء جهنم .قالوا: يارسول الله وان صام وان صلى؟ قال وان صام وان صلى وزعم انه مسلم……”. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة حين استفسره عن واجب المؤمن وقت الخلاف والفتن السياسية: “تلزم جماعة المسلمين وأمامهم, قلت ان لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها”. فلزوم الجماعة لزوم قيادتها الشرعية, حتى وان بدا من هذه القيادة ما يخالف راي الفرد في الأمور الاجتهادية المصلحية.

وفي حديث اخر:”من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبرعليه, فانه من فارق الجماعة شبرا فمات, آلا مات ميتة جاهلية”. وفي رواية: “من كره من أميره شيئا فليصبر, فانه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية”.

ولا تخفى دلالة التطابق في المعنى بين “الخروج من السلطان” و”مفارقة الجماعة” في روايتي الحديث, لان السلطان الشرعي الذي الزم الشرع المسلم بلزومه والصبر عليه هو سلطان الجماعة, أي السلطة الشرعية النابعة من اختيار الجناعة وتراضيها وتعاقدها, وليس السلطة القهرية المتغلبة .

ولابد من تأكيد ان جماعة المسلمين او الأمة السياسية – في معناها الإسلامي – لا تقتصر على المسلمين .بل تشمل كل من ضمه مع المسلمين ولاء سياسي وعقد اجتماعي, كما هو الحال في الطوائف غير المسلمة التي عاشت ضمن المجتمع المسلم اكثر من اربعة عشر قرنا من تاريخ الاسلام . والمتامل في دستور الدولة النبوية يجد سعة في مفهوم الامة, فهو يؤسس للامة بكل ابعادها وظلالها المتعددة ومن ذلك: الامة الاعتقادية التي ينتمي اليها كل المسلمين داخل المدينة وخارجها, حيث نص دستور المدينة على ان” المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس”. الأمة السياسية التي يدخل فيها المسلم وغير المسلم على قدم المساواة, لذلك نصت الوثيقة على أن” يهود بني عوف أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم, وللمسلمين دينهم”, ثم عممت الوثيقة هذا الوضع ليشمل جميع القبائل اليهودية بالمدينة المنورة.

فدستور المدينة جعل كلا من المسلمين واليهود أمة بالمعنى الاعتقادي , لكنه دمجهما في أمة سياسية واحدة تجمع بينها الجغرافيا والحقوق السياسية. ومن هذه الحقوق والواجبات  السياسية ان “اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين” , وان “بينهم النصر على من دهم يثرب”.

وحتى مفهوم الأمة بالمعنى الجغرافي – الذي لم يعرف بصيغته الواضحة إلا في العصر الحديث – فإننا نجد له أساسا في دستور المدينة , فقد نص ذلك الدستور على ان” المؤمنين والمسلمين من قريش واهل يثرب, ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم …..أمة واحدة من دون الناس”. فكون المسلم – اينما كان – عضوا في تلك الأمة الاعتقادية , لا يعني انه عضو في الأمة الجغرافية السياسية التي تأسست في المدينة آنذاك , اذ الانتماء بالمعنى الجغرافي يستلزم تحيزا مكانيا, وهذا معنى “ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم”. وللامة بهذا المعنى الجغرافي شاهد من القران الكريم يتضمن اشتراط الهجرة, وتقديم المواثيق مع الدول غير المسلمة على نصرة المسلم غير المهاجر: “والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا, وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق”.

فلزوم الجماعة مبدأ سياسي إسلامي يشمل الجماعة بكل أبعادها الواردة في دستور المدينة النبوية , ويشمل هذا المبدأ الجماعات غير المسلمة التي تشكل جزءا من التجربة التاريخية, والنسيج الاجتماعي, والتعاقد السياسي لجماعة المسلمين .

10 –  طاعة السلطة الشرعية :

يتفرع عن مبدأي الشورى والبيعة مبدأ ثالث من أمهات القيم السياسية الإسلامية, وهو طاعة السلطة الشرعية .فللسلطة الشرعية حق الطاعة على الناس في كل ما يحقق مصلحة عامة, ولا يناقض بنود العقد بين الطرفين. والطاعة هي الشق الثاني من العقد السياسي بين الحاكم والمحكوم بعد الأمانة والعدل, فقد امر القران الكريم الحكام بأداء الأمانة والحكم بالعدل, ثم امر الرعية بطاعة السلطة الشرعية, تأكيدا على تلك المعادلة ذات الشقين, التي تجمع بين واجبات الحاكم وواجبات المحكوم: “إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا. يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”.

ان ربط الطاعة بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل فيه دلالة صريحة على ان متولي السلطة بغير رضا المحكومين لا طاعة له, اذ هو يتصرف خارج  مفهوم الأمانة ,وداخل مفهوم الغصب في الشريعة الإسلامية.

واذا تمت البيعة بشروطها كانت عهدا وميثاقا غليظا يجب الالتزام بمقتضاه, ولا يجوز التحلل منه. وقد ورد النكير الشديد في الاحاديث النبوية على من ينقضون البيعة الشرعية دون مسوغ شرعي, ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :”من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له”. لكن الطاعة لا تكون واجبة إلا لمن كانت بيعته ملزمة بشروطها الشرعية. واهم تلك الشروط هوان تكون البيعة اختيارية, ليست فيها شبهة إكراه. وهي ليست طاعة مطلقة على النمط الامبراطوري الذي يجعل إرادة الحاكم قانونا, بل هي “طاعة مستثناه” بتعبير الإمام الشافعي, أي في غير معصية.

وقد نحا الفكر الديمقراطي الغربي المعاصر هذا المنحى في مسالة الطاعة, فكتب جون لوك- وهو رائد الديمقراطية المعاصرة- ان” الولاء السياسي ليس إلا الطاعة وفقا للقانون. فاذا خرقه الحاكم لم يكن له حق بالطاعة , أو بالمطالبة بها”.

وكثر التأكيد على طاعة السلطة الشرعية في الاحاديث النبوية, بسبب ضمور تقاليد الدولة وثقافتها في الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام, مما جعل العرب آنذاك يأنفون من طاعة أي سلطان عموما, ويأبون طاعة القادة الذين لا ينتمون  إلى قبائلهم أو قومهم على وجه التخصيص.

وهكذا فان الطاعة السياسية في الإسلام مقيدة بقيدين اثنين: قيد الشرعية وقيد الشريعة. فلا طاعة لسلطة ليست نابعة من اختيار الناس , ولا طاعة فيما يخالف الشريعة حتى وان كانت السلطة الآمرة به كاملة الشرعية السياسية. 

اكتب تعليقك على المقال :