استراتيجية مناعة القطيع الكورونية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : عبد الستار قاسم

تشير أغلب التقديرات والآراء الطبية والصحية في مختلف دول العالم إلى أن جائحة كورونا ليست على وشك الانهزام والاختفاء، والسبب الأساسي أن العالم لم يتوصل بعد إلى لقاحات وأمصال توفر الحماية البدنية للناس. ولا تتوقع أغلب الآراء أن أمصالا ولقاحات قريبة المنال ويمكن توظيفها في مواجهة كورونا.

بعض الآراء ترى أن أشهرا ستمر قبل أن يكون بالإمكان الاستفادة من لقاحات يمكن أن يعلن العلماء عن تطويرها، وبعضها لا يرى أن ذلك سيتم قبل سنة من الآن، لأن أي لقاح يتم تطويره يتطلب فترة طويلة من التجارب والفحوصات.

مناعة القطيع.. خيار بريطاني وأمريكي

منذ اللحظة الأولى فكر غربيون بخاصة رئيس وزراء بريطانيا وترامب إلى حد ما بأن المحافظة على النشاط الاقتصادي يتطلب التفكير بمناعة القطيع كاستراتيجية يمكن أن تقي العالم من التدهور الاقتصادي والكساد وارتفاع نسبة الفقر في مختلف دول العالم.

ومناعة القطيع تعني العمل على تطوير أدوية وأمصال ولقاحات لكن دون وقف عملية الإنتاج وتعطيل النشاطات اليومية للناس والشركات. أي ترك المرض يتفشى بين الناس فيكتسبون مناعة لا يقوى المرض بسببها على أجسادهم ويصبحون غير ناقلين للمرض للآخرين. أي أن إصابة الناس بالأمراض تدعم أجهزة المناعة لديهم، وتدريجيا تقل العدوى بين الناس.

وبمعنى آخر، اترك الناس يقاومون الإصابة يعيشون ويموتون تبعا لقدراتهم المناعية، وبذلك يحدق الخطر غالبا بكبار السن والمرضى. الخسائر في النفوس ستحصل، لكن هزيمة الفيروس تتم من خلال تطوير مناعة طبيعية. وإذا تطور لقاح أو مصل فإن ذلك سيساهم أيضا بهزيمة الجائحة.

حجرت الدول على الناس وعطلت العديد من النشاطات اليومية إلا من نشاطات التموين وزيارات المشافي والمراكز الصحية، لكن هذا الحجر لا يمكن أن يستمر فترة طويلة.

 لهذه الاستراتيجية جذور في الفكر الغربي. فمثلا قال داروين: إن البقاء للأصلح الذي هو الأقوى والقادر على مواجهة التحديات سواء أتت من الطبيعة أو من البشر. وسبق أن وضع مالثوس تصورا للتغلب على الثغرة القائمة بين معادلة تزايد السكان، ومعادلة النمو الاقتصادي. قال مالثوس: إن الناس يتزايدون هندسيا، بينما يرتقي النمو الاقتصادي حسابيا. ووفق رأيه، تحصد الأمراض والأوبئة والحروب نفوسا كثيرة، وهي بذلك تساهم في تقليص الفجوة بين النمو السكاني والنمو الغذائي. وفكرة مناعة القطيع لا تبتعد عن هذين الرأيين لأنها تترك الناس يواجهون العدو وفق قدراتهم الجسمانية وما تتحلى به هذه الأجساد من مناعة.

استراتيجية مناعة القطيع ترى أن كورونا ليست سهلة، وهي صامدة حتى الآن أمام محاولات الإنسان القضاء عليها. بل إن أعداد الإصابات بالفيروس تتزايد مع الأيام وتتسع انتشارا على المستوى العالمي وكذلك أعداد الوفيات. وإذا كانت دول مثل الصين قد نجحت في خفض أعداد المصابين وفي أعداد الوفيات فذلك بسبب إجراءات الحصار التي قامت بها وليس بسبب علاجات ولقاحات تم تطويرها. حجرت الدول على الناس وعطلت العديد من النشاطات اليومية إلا من نشاطات التموين وزيارات المشافي والمراكز الصحية، لكن هذا الحجر لا يمكن أن يستمر فترة طويلة.

الناس يستجيبون للإرشادات الصادرة عن الحكومات والأجهزة الطبية والصحية، لكن إلى متى؟ الناس لها مصالح وعليها التزامات متعددة الجوانب على رأسها كسب المال لتغطية تكاليف المعيشة والنفقات اليومية. كما أن اقتصادات بعض الدول تتعرض للكساد والانهيار إن بقي تعطيل الأشغال والأعمال والشركات ووقف عملية الإنتاج. وأكبر المتضررين ستكون الدول الصناعية الكبرى ذات الإنتاج الوفير. أضرار ستلحق بالدول الفقيرة وغير الصناعية لأن هذه الدول غير منتجة إلا من الشيء القليل.

العديد من العلماء لا يرون نجاحا لاستراتيجية مناعة القطيع لأسباب عدة منها:

هذه استراتيجية غير إنسانية لأنها تضحي بالضعفاء من أجل المكاسب الاقتصادية والمالية.

فيروس كورونا يتطور جينيا، ومن يصاب به لا يعني أنه لن يصاب ثانية. التطور الجيني يعني ضرورة الاستمرار في تطوير لقاحات جديدة تتناسب مع التطور الجيني الجديد.

المستشفيات والمراكز الصحية في العالم ستواجه تحديات جديدة وكبيرة بسبب تضاعف الإصابات على المستوى العالمي. إذا كانت المراكز الصحية والمشافي عاجزة الآن عن استيعاب الإصابات الحالية، فكيف سيكون الأمر إذا تضاعفت أعداد الإصابات.

اقتصادات بعض الدول تتعرض للكساد والانهيار إن بقي تعطيل الأشغال والأعمال والشركات ووقف عملية الإنتاج. وأكبر المتضررين ستكون الدول الصناعية الكبرى ذات الإنتاج الوفير.

 وحال المراكز الصحية ينطبق على المستلزمات الطبية من أسرة وأجهزة تنفس وكمامات، الخ. الدول لم تضع في حساباتها الصحية جائحات، وهي وجدت نفسها في حرج عظيم أمام ضخامة الاحتياجات الطبية، وإذا تركت الأمور لمناعة القطيع فإن حكومات ستتهاوى، وربما تجد دول نفسها مشلولة.

لكن السؤال المطروح في النهاية: ماذا سيغلّب الإنسان: الحرص على النفوس أم استمرار عجلة الإنتاج؟ تقديري أنه سيغلب المصالح الاقتصادية. لكن نرجو أن يتم تطوير أمصال ولقاحات سريعا ليرتاح العالم من شرين وهما: شر كورونا وشر الرأسمالية الليبرالية الحديثة.

اكتب تعليقك على المقال :