ارفعوا أيديكم عن المعلمين ونقابتهم

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : د. علي العتوم

المعلِّمون قطاعٌ كبيرٌ ومُقدَّرٌ من قطاعات شعبنا الأردني العزيز. ولعله فيه أعظمُ قطاعٍ وأكثره فاعليّةً, مع احترامنا وتقديرنا لجميع قطاعاته. وتكمنُ أهمية هذا القطاع في أنّه هو الذي يأخذ على عاتقه رسميّاً, تعليمَ أبناءَ هذا الشعب وتوجيهَهُم الوِجهةَ اللائقة بهم بوصفهم أفراداً من أُمّةٍ عظيمة, ومن شعب عربي عريق يقطنُ في جزءٍ من بلاد العروبة المنداحة بين المحيط والخليج, هو بلاد الشام المباركة, ومن مجتمعٍ أردني كريم, كانت أرضه يوماً بوابةَ الفتح المجيد للعالمين.

هذا القطاعُ الذي كان وما يزالُ, الرافعةَ الحقيقية لتقدُّم هذا الشعب وتنوُّره. فلقد رافقَ نشوءَ الدولة الأردنية منذ بداية العشرينيات الماضية, يُعلِّمُ أبناءَ المدينةِ والريفِ والبادية حرفةَ الكتابة أسمى حرفةٍ تتعلَّمها البشرية, حتّى كنا نرى له لِعِظَمِ هذه الحرفة منزلته الرفيعة في أوساط المجتمع. كيفَ لا وهو الحامل لمشعل العلم والهداية والذي تخرَّجَ من تحت يده كُلُّ مَنْ مَنَّ اللهُ عليه بنعمة فكّ الخطّ, ومن ثَمَّ القراءة به والتأليف, بل القيادة والحكم, إذْ كان من إنتاجه كل هؤلاء من رأس الهرم إلى قاعدته.

وإنّني لفي غنىً – ولكنّه من قبيل التذكير – أنْ أُشيرَ إلى ما وردَ في الكتاب والسُّنّة, من نصوص تُمجِّدُ العلمَ وأصحابَه. فإنَّ أول آيةٍ في أعظمِ كتابٍ سماويّ نزلت على أعظم رسولٍ لهداية البشرية عامة, هي قولُه تعالى: (اقرأْ), وإنَّ من أوائل الآيات في هذا الشأن النازلة على ذاك الرسول الكريم, قولَه عزَّوجلَّ: ﭐﱡﭐﱻ ﱼ ﱽﱾﱠ, مُقسِماً سبحانه بالقلم أداةِ الكتابة والقراءة تعظيماً لقدره, ومن بعدُ قولَه جلّ وعلا: ﱡﭐﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ  ﳇ ﳈﳉﱠ, وقولَ رسوله عليه الصلاة والسلام: (فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم), وقولَه: (إنَّ اللهَ وملائكته وأهلَ السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناسِ الخيرَ)!!

أفبعدَ هذا التكريم أيُّها القومُ, للعلم ومعلِّميه الذي يشهدُ به اللهُ جلَّ وعلا ورسولُه عليه أفضل الصلاة والسلام ويشهدُ به التاريخُ والواقعُ, يُحارَف المعلمُ ويُحادُّ, بل يُحارَبُ ويُناكَرُ؟! أجل, إنَّ هذا في الحقيقة لا يُفسَّرُ إلاّ أنّه تعامٍ عن الأحداث الثابتة والوقائع الصارِخة التي تشهدُ كُلُّها بفضل العلم وأهله, واعترافٍ بالواقع لأفراد مجتمعٍ حِيفَ عليهم من طرفٍ يدّعي ليلَ نهار احترامَ المجتمع بجميع طوائفه.

نعم, إنَّ على هؤلاء الذين يُحاولون التنقُّص من قدر المعلم ويعتدونَ على حقوقه أنْ يُسارِعوا إلى الرجوع عمّا اقترفوه بحقّه, فيُعيدُوا له حقوقه كاملة غيرَ منقوصة.

إنَّ نقابة المعلمين نقابة شرعية, جاءت بقانونٍ حكومي وبعدَ مطالبات حثيثة ومُحِقّة على مدى ستّةِ عقودٍ تقريباً, وذلك منذ أوائل الخمسينيات المنصرمة. وهي كأخواتها من مؤسسات المجتمع المدني الأُخرى النقاباتِ وغيرِها, تؤدّي دورها الراشد في خدمة أعضائها وتُسهِم في الوقت ذاته بمساعدة الحكومة في التحمّل عنها عبئاً كبيراً من الأعباء الاجتماعية والمالية المطلوبة منها تُجاه هذا القطاع العظيم من قطاعات المجتمع. فهي والحال هذه ردءٌ للحكومة ورديفٌ لها, وليست عنصر مناكفةٍ أو منادّةٍ, إلاّ أنْ تحوِّلها الحكومةُ إلى ذلك ببعدها عن حُسنِ التصرُّفِ معها, فتكونَ هي أي الحكومة التي تضعُ العِصِيَّ في الدواليبِ والعربةَ أمامَ الحصان كما يقولون. كما أنَّ النقابةَ تسيرُ على نهجٍ (ديموقراطي) في التعامل مع أعضائها ومع الحكومة, وضمن القانون, ولا تسعى بأيّة حالٍ أنْ تخرقها, إلاّ أنْ تكونَ الحكومة هي التي تفعلُ ذلك!!
لقد طالبتِ النقابةُ منذ عام تقريباً لأعضائها بالعلاوةِ التي وعدتها بها الحكومة, وأصرَّت على ذلك وبذلتْ في سبيله جهداً مذكوراً, وقد سلكتْ إلى ذلك سُبُلاً قانونيةً واتَّبعتْ أساليبَ منطقيّةً, حتّى نالتْها بتاريخ (6/10/2019م) وبعقدٍ موقَّعٍ من الحكومة. وقد كان ذلك محطَّ رضاً ذاتيّ من أعضاء النقابة, ومناطَ تأييدٍ شعبيّ من مختلف أفراد المجتمع, ثُمَّ عادتِ الحكومةُ اليومَ – وتحت ذريعة انتشار وباء (الكورونا) – إلى سحبها وحرمان النِّقابةِ منها, وهي لها حقٌّ قانوني ودستوريّ مكتسب, يجبُ أنْ يُصان. فالعقدُ كما يقول القانون شريعةُ المتعاقدين, يجب أنْ يُوفَّى به, كما قال تعالى: ﱡﭐﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾﱿﱠ, وعهدٌ يجب أنْ يُحترم لقوله سبحانه: ﱡﭐﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁﱠ.
ومعلومٌ في ديننا الحنيف كما قال الرسول صلى الله عليه وسلّم, أنَّ من صفات المؤمنين إذا وعدوا صَدَقُوا, وإذا عاهدوا وَفَوْا. فعدا المؤمنينَ هم الذين لا يصدقون بوعودهم ولا يفون بعهودهم. فهل تقبل الحكومة أنْ تكون في هذا الصفّ من الناس الذين لا يصدقونَ إذا وعدوا, ولا يوفون إذا عاهدوا؟! إنّنا لا نرضاه لها وإنْ رضيَتْ هي به, لأنّه أمرُ مذموم. وإذا أصرَّتِ على نقضِ عهدها مع النقابةِ, فإنّنا نضعُ أمامها قوله سبحانه: ﭐﱡﭐﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﱠ, إذْ نقضها مخالفةٌ صريحةٌ لأمره تعالى. وهذا منهيٌّ عنه ومُنفّرٌ منه, لقوله تعالى: ﭐﱡﭐﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﱠ,. كما أنّه لا حُجّةَ للحكومة بأنّها حجبتْ مع علاوات المعلمين علاوات عديدٍ من الموظّفين, إذْ هذا شيءٌ وذاك شيءٌ.
وكما ارتكبتِ الحكومة بحقِّ المعلّمين خطيئةً بحجب علاوةٍ عنهم أقرَّتْها فإنّها ارتكبتْ مع ذلك خطيئةً أكبر, بل أشدَّ, وهي مقاضاة مجلس نقابتهم على تبرّعهم لصندوق (همّة وطن) بسبب فيروس كورونا بنصف مليون دينار من أموال نقابتهم الخاصّة. حقّاً إنّه لأمر عجيب يجعل الحليمَ حيرانَ, أنْ يُصبِحَ المعروفُ في واقعنا مُنكراً, والمنكرُ معروفاً. مَنْ يُصدِّق أنْ يُحاكَمَ شخصٌ لتبرّعه بمبلغٍ من ماله عوناً لمواطنيه مروءةً وشهامةً, إذْ تحلُّ بهم أزمةٌ خانقة في وقتٍ يُؤيد فيه العقل والنقل هذا التصرُّف الكريم بكُلِّ أريحيّةٍ, كما يُؤيِّده المؤمنُ والكافر, بل الإنسانُ والحيوانُ. وكان ذلك الاتّهام بزعمِ أنَّ مجلسَ النقابة تصرَّفَ بهذا التبرّع بغيرِ موافقة هيئته المركزية, وقد عَلِمَتِ الحكومة أنَّ مجلسها المركزي وافق على ذلك بتصويت (111) عضواً من (127) هم العدد القانوني الذي حضرَ من أعضاء المجلس. 
إنّنا نطالبُ الحكومةَ بالكفِّ عن هذه السياسات التي ليست في صالح البلد بحال, وخاصّةً فيما صدر من أساليبَ مُبطَّنةٍ بالتهديد والوعيد. فالنقابةُ والنقابيُّونَ والمعلِّمونَ هم أبناءُ هذا البلد الأبرار, لهم حسبَ الدستور والقانون كُلُّ الحقّ بالمطالبة بحقوقهم كاملةً غيرَ منقوصةٍ. وقد تبيَّنَ ذلك بعيداً عن المجاملات والتزلُّفات للمسؤولين. وعلى الحكومة بدل مناكفة المعلمين ونقابتهم, أن تتنبّه إلى بؤر الفساد في البلد فتكافحها وتطارد أصحابها. كما نطالبها بالعودة عن قرارها بحجبِ العلاوة عن أصحابها التي قرَّرتْها لهم قبلَ سنةٍ تقريباً, فإنَّ من أشدِّ ما يُعاب الإنسان عليه – كما في الشرع الإسلامي – أنْ يعودَ عن عطائه, كما نطالبها بغلق ملف اتّهام مجلس النقابة والعدول عن تقديمه للقضاء. وبالعكسِ من ذلك نطالبها بتوجيه شكرٍ جزيل لها ولجميع أعضائها على هذا التبرُّعِ السخي الذي لم يصدرْ مثلُه في حينه من أيّةِ جهةٍ أُخرى في الدولة, وهو مما يدلُّ على صدقِ وطنيّةٍ عندها وعلوِّ همّةٍ وعظيمِ شهامةٍ. كما نطالبها بالكفِّ عن التحريض بين المعلِّمينَ, والعمل على شقِّ صفّهم بإغراء بعضهم ليكون عيناً عليهم ومطيّةً لأخصامهم للتخريبِ عليهم. فهذا في الحقيقة هو إفساد ذات البَيْن, وهو كما جاء في الحديث الحالِقة لا تحلِقُ الشعرَ, بل تحلِقُ الدِّينَ!! ولتعلم الحكومةُ أنْ تشويهَ صورة المعلِّمين ونقابتهم تشويهٌ لصورتها هي, لأنَّ المعلمين في كُلِّ بلد هم وجهه الحضاري, والساعون لتنميته وتطويره. ولْتُدرِك أنّها بمساءتها للمعلمين تُسيءُ لنفسها ولشعبها ولوطنها.
وإنّني في نهاية كلمتي هذه – التي أُقدِّمها لإخواني المعلّمين ولنقابتهم الماجِدة التي أُجلّها أعظمَ إجلالٍ, باقةَ وردٍ وقارورةَ عطرٍ, على مواقفهم القوية الثابتة, وتضامنهم المتماسك – أُهديهم هذه القصيدةَ بعنوان (الشمعة المتألِّقة) التي تُمجِّدُ المعلم, للشيخ المرحوم محمد رشاد الشريف, طاقةَ فُلٍّ وياسمين لحضراتهم النبيلة, وهي:
يا شمعةً في رحابِ الصفِّ تأتَلِقُ
تُنيرُ دَرْبَ المعالي وهي تحتَرِقُ

لا أطفأَ اللهُ نوراً أنتَ مصدره
يا صادِقَ الفجرِ أنتَ الصُّبْحُ والفَلَقُ

أَيَا مُعلِّمُ يا رمزَ الوفا سَلِمَتْ
يَمِينُ أهلِ الوفا يا خيرَ مَنْ صدقوا

لا فُضَّ فُوكَ فمنه الدُّرُّ منتَثرٌ
ولا حُرِمْتَ فمنكَ الخيرُ مُندَفِقُ

ولا ذَلَلْتَ لمغرورٍ ولا صَلِفٍ
ولامَسَتْ رأسَكَ الجوزاءُ والأُفُقُ

أَيَا معلِّمَ كم طَوَّقْتَ من عُنُقٍ
بالفضلِ فازدانَ منه الصدرُ والعُنُقُ 

ويا مُؤدِّبَ كم أنقذتَ من أُمَمٍ 
لولا سفينُكَ في بحرِ الرَّدَى غَرِقوا

فيا معلِّمنا لا تيـأسَنَّ فلَنْ
يَجِفَّ روضُكَ فهو العاطِرُ العَبِقُ
ِفّ
نسأل الله للجميع الهُدَى والتُّقى, وجمع الكلمة ووحدة الصفّ .

اكتب تعليقك على المقال :