اتجاهات وآفاق العام 2022 للعالم العربي

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : جواد الحمد

شهد العام 2021 تحولات وتغيرات مهمة أساسية في العالم العربي، وكان من بين أهمّ هذه التغيرات ما تابعته “مجلة دراسات شرق أوسطية” في عامي 2017-2018، والمتعلق بالبدء بخطوات بطيئة نحو المصالحات البينية العربية ومع دول إسلامية أخرى، ناهيك عن تحولات مهمة في الصراع العربي- الإسرائيلي.

وبرغم استمرار عدد من الخلافات العربية، وحدوث تراجعات عربية مهمة عن دعم النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، عبر القفز نحو التطبيع مع إسرائيل دون حل القضية الفلسطينية في ما عرف خروجاً على الموقف العربي الرسمي على الأقل، واعتُبر خذلاناً للقضية الفلسطينية ونضالات شعبها، ناهيك عن بطء التحول نحو المصالحات بالحد الأدنى على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي من جهة، ومع تركيا من جهة أخرى، والانفتاح البطيء على تغيير الوضع المتوتر مع إيران، رغم ذلك إلا أنه لا يقلل من ديناميكيات التحول التي عملت على تعديل بعض اتجاهات الواقع لعام 2021 من حيث المبدأ.

ومن جهة أخرى استمر الانقسام الفلسطيني مع كثير من تداعياته السلبية على الشعب الفلسطيني وقضيته، خصوصاً بعد تأجيل تطبيق الاتفاق الوطني الفلسطيني، وإلى إشعار آخر، بإجراء انتخابات شاملة لتجديد شرعية النظام الفلسطيني المتآكلة.

النظرة الموضوعية تتطلب إدراك تحول ديناميكيات رسم المشهد السياسي في العالم العربي بما تحمل من فرص وتحديات، وما تتطلبه من سياسات وبرامج عربية، قد تشكّلت بحركة قوية لاعتبارات متعددة في غالبها الفشل في الصراعات الصفرية الحادة، بل والصراعات المسلحة


ولذلك فإن النظرة الموضوعية تتطلب إدراك تحول ديناميكيات رسم المشهد السياسي في العالم العربي بما تحمل من فرص وتحديات، وما تتطلبه من سياسات وبرامج عربية، قد تشكّلت بحركة قوية لاعتبارات متعددة في غالبها الفشل في الصراعات الصفرية الحادة، بل والصراعات المسلحة المتنوعة.

ويعتقد بأن هذه الديناميكيات، بنسختها الجديدة، ناهيك عن الصراعات الاقتصادية والصراعات على الأدوار الإقليمية والدولية، لكون هذه الصراعات أكثر من مجرد تنافس مشروع، إضافة إلى حجم التحول في ديناميكية المواجهة الفلسطينية مع إسرائيل شعبياً وعسكرياً، والتي أثبتت قدرتها على تهديد الأمن الإسرائيلي وإفشال إمكانياته في حماية الدولة الإسرائيلية والجبهة الداخلية الإسرائيلية، وعلى الأخص في أيار/ مايو 2021 بعد معركة “سيف القدس” والمواجهات الشعبية في القدس والشيخ جراح والأراضي المحتلة منذ عام 1948.

ولذلك، فإنّ إعادة تشكّل المشهد السياسي في العالم العربي أصبحت تتحرك بأدوات وأطراف متعددة، وفي الوقت نفسه فإنّ ثمة جهوداً إسرائيلية لتسخين الوضع في المنطقة ومحاولة إحداث انقسامات جديدة، بل هناك تدخلات غربية وإسرائيلية، وأحيانا عربية أو إسلامية محدودة، لمنع نجاح المصالحات العربية الداخلية، خاصة في كلٍّ من ليبيا وسوريا والعراق واليمن ولبنان والسودان وتونس والأزمة المغربية- الجزائرية، حيث تهدف هذه المصالحات إلى وقف الصراعات العسكرية والأمنية والسياسية الحادّة، والتحوّل نحو بناء نظام سياسي ديمقراطي وتأسيس دولة تتمتع بالاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

إعادة تشكّل المشهد السياسي في العالم العربي أصبح يتحرك بأدوات وأطراف متعددة، وفي الوقت نفسه فإنّ ثمة جهوداً إسرائيلية لتسخين الوضع في المنطقة ومحاولة إحداث انقسامات جديدة، بل هناك تدخلات غربية وإسرائيلية، وأحيانا عربية أو إسلامية محدودة، لمنع نجاح المصالحات العربية الداخلية


وعلى الصعيد الفلسطيني، لا تزال جهود عربية وغربية وإسرائيلية تعمل بقوة لمنع نجاح أي تفاهمات فلسطينية للتحول نحو العمل المشترك، سواء عسكرياً ضد الاحتلال، أو أمنياً لحماية الشعب الفلسطيني، أو سياسياً لبناء نظام سياسي تعددي ديمقراطي تشارك فيه كل أطياف الشعب الفلسطيني، أو اقتصادياً للدفع باتجاه بنية مستقلة عن الاحتلال وعن أي دعم أجنبي مشروط، وخاصة للسلطة الفلسطينية وأدواتها في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.

وعلى الصعيد العربي والإسلامي في المنطقة، فإن قوى الشد العكسي المتنفذة والمستفيدة من الأوضاع القائمة بأشكال مختلفة تحاول خلق العقبات والمشاكل في وجه تنامي سياسات المصالحة والتحوّل نحو التعاون، بدلاً من النزاع والفرقة والاستقواء بالأجنبي على الشقيق الوطني أو العربي أو الإسلامي.

من جهة أخرى، ثمة جهود وطنية في كلٍّ من العراق وليبيا وفلسطين اقتربت من التوصل إلى حالات التوافق الوطني والتحول نحو البناء والتعاون عام 2021، لكن الأوضاع في سوريا واليمن ولبنان لا تزال تسير بالديناميكية الرئيسية السابقة نفسها، ولا يزال السلاح أو الانقسام والنزاع هو وسيلة الحوار الرئيسة، رغم محاولات متعددة لم تثمر حتى نهاية العام 2021، وإن كانت المعطيات الأولية وفق مؤشرات أزمات أخرى عربية ربما تفتح الأفق على تحولات مهمة قبل نهاية العام 2022 في هذه البلدان، خاصة في حال تكرس نجاح الديناميكيات في كلٍّ من العراق وليبيا وفلسطين، وعلى الصعيد الداخلي والإصلاح السياسي والممارسة الديمقراطية المحدودة. فقد جدّدت الجزائر نظامها السياسي عبر صناديق الاقتراع، كما فعل المغرب، ويحاول الأردن التوصل إلى إصلاحات سياسية توافقية لتحقيق الغاية نفسها، والتي قد تساهم في رسم مشهد سياسي أفضل داخل هذه البلدان، وعبر انعكاساتها على البلدان الأخرى.

وفي المقابل فإن صراع عدد من الدول مع حركات الإسلام السياسي المعتدلة، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها، وما يمثلها من أحزاب وقوى سياسية واجتماعية ونقابية، لم يعد يملك الديناميكية الكافية لاستمراره، حيث أثبتت هذه الحركات التزامها الكامل بالعمل السياسي السلمي فكراً وممارسة خلال العام 2021، كما أن مؤشرات الانتخابات بمجملها أكدت القوة والنفوذ والتأييد الاجتماعي، وإلى حد ما السياسي، لهذه الحركات على حساب الحركات الوطنية واليسارية والقومية والليبرالية الأخرى، ما يؤكد أن الإرادة نحو تفعيل قوة العالم العربي الجيوسياسية والجيوستراتيجية، ومواجهة الأطماع الصهيونية والعدوان الإسرائيلي وتحقيق استقرار اجتماعي وسياسي؛ إنما يتطلب التحرك باتجاه مصالحات حقيقية مع هذه الحركات وحلفائها، واحتواء قوتها السياسية والاجتماعية في ديناميكية التطور والتقدم والاستقرار في البلدان العربية المختلفة، خاصة أن الصراع السياسي والأمني والإعلامي معها قد استنزف ثمناً كبيراً من المال والجهد والتآكل الوطني والقومي، وتسبّب بإضعاف واقع العالم العربي بمختلف الأشكال.

ولذلك فإن الفرصة ربما أصبحت مواتية لإعادة النظر بالسياسات السابقة، لعل ديناميكيات تحقيق الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي تتفوق على ديناميكيات الخلاف والنزاع الحزبي أو الشخصي أو الفكري بين النخب الحاكمة والنخب القيادية في هذه الحركات.

النماذج التي سيقت لعام 2021 وآفاق عام 2022 ربما تصلح مقياساً للعديد من مكوّنات الخلاف والنزاع للأعوام 2016-2021، ومكوّنات التوافق والمصالحة للأعوام 2022-2025، والتي تعتمد على قدرة هذه الديناميكيات على خلق آليات ووسائل ناجحة من جهة، واستبعاد منهج الإقصاء والتهميش والاتهامات، واستخدام العنف


كما أن الآلية العربية في تشجيع المصالحات الفلسطينية لم تثبت نجاحاً حقيقياً، ولم تصل إلى الهدف المعلن، سواء بسبب عدم جدية هذه الآليات ومن يقودها، أو بسبب الضغوط الخارجية أو بسبب العوامل الفلسطينية التنافسية الداخلية، لكنّ التفكير المنهجي يقتضي البحث عن مسارات جديدة لا تخضع لهذه الدوافع والمعطّلات.

ولذلك، فإنّ النماذج التي سيقت لعام 2021 وآفاق عام 2022 ربما تصلح مقياساً للعديد من مكوّنات الخلاف والنزاع للأعوام 2016-2021، ومكوّنات التوافق والمصالحة للأعوام 2022-2025، والتي تعتمد على قدرة هذه الديناميكيات على خلق آليات ووسائل ناجحة من جهة، واستبعاد منهج الإقصاء والتهميش والاتهامات، واستخدام العنف سواء من قبل النخب الحاكمة وأجهزتها الأمنية أو من قبل عناصر وقوى المعارضة العربية من جهة أخرى.

وعلى صعيد آخر، فإن المكاسب التي قد تتحقق لأي بلد عربي أو إسلامي من التصالح مع جيرانه وأشقائه تتفوق كثيراً على المصالح التي قد يجنيها من النزاع والتنافس غير المشروع على الأدوار واللعب بالورقة الأجنبية ضد بعضهم، والتي لم تحقق الأهداف التي ربما توخّاها بعض اللاعبين والفاعلين العرب وفي الدول الإسلامية وفي المعارضة الشعبية في الوقت نفسه.

ولذلك، فإن هذه المقالة إنما تهدف إلى إثارة الموضوع للبحث الجدّي في أروقة السياسة والأمن والفكر ومراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية الجادة العربية والإسلامية، لتشكيل قوة دفع كافية لتشغيل الديناميكية الحكيمة والمنهجية الموضوعية لخدمة المصالح العليا للأمة في العلاقات العربية البينية، والعربية- الإسلامية، وفي العلاقات الداخلية الوطنية على حد سواء.

اكتب تعليقك على المقال :