إحياء ليلة الـ27 من رمضان لأول مرة في المنزل

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : عدنان حميدان

بمذاق مختلف عن سابقاتها من ليالي رمضان من كل سنة ومنذ نعومة أظفاري، قمت بإحياء ليلة السابع والعشرين من رمضان مع عائلتي، في زاوية من حديقة بيتنا. كانت تجربة جديرة بأن أخط أحرفي لوصفها، وليلة سيبقى أثرها في نفوسنا ما حيينا. أسأل الله تعالى القبول وشمولنا بمغفرته.

لا أخفيكم كم كنا بحاجة فعلا لتحويل بيوتنا لمحاريب تعبّد، ورص الصفوف مع أبنائنا وبناتنا في التهجد، واستشعار حلاوة القيام والملائكة تَحُفُنا، وكأنها أوقات من الجنة.

في تلك الليلة العظيمة على المولى الكريم أقبلنا، وبين موقف مبكٍ وآخر مضحك تنقلنا وبذكر الله والصلاة على رسوله اجتهدنا، ومن معين كتاب الله عزوجل نهلنا.

(على سيرة الموقف المضحك، ونحن نسارع لصلاة المغرب مع الإفطار يحاول الصغير ذو العشر سنوات استبطاءنا ليلحق بنا، فما وجدناه الا وهو ينادي “إن الله مع الصابرين” فضحك الجميع من الموقف، فقد أحسن الاقتباس).

أجمل الدروس في ليلتنا كانت مما جاء بعفو الخاطر دون تحضير مسبق؛ ردا على سؤال حول كلمة في آية أو عبرة من موقف، من أصغرهم سنا الذي يسأل عن معنى سورة القدر ويستدرك عليك بعد الجواب بقراءة آي من السورة، إلى أكبرهم الذي يناقش معك الفرق بين العفو والمسامحة، وكيف أن الله العفو يزيل أثر الخطيئة بالكامل ولا يذكرها لك لاحقا، خلاف من سامحك من البشر ولكن يبقى خطؤك في ذهنه وقد لا ينساه لك.

عائليا، اهتممنا ولا زلنا ومع ظروف الحجر الذي فرضته كورونا علينا؛ بإحياء رمضان كله وأداء الصلوات جماعة وقراءة جماعية لكتاب الله عز وجل، وحرصنا على الاجتهاد فيه قدر استطاعتا، وتحديدا في الوتر من العشر الآواخر. ولكن ليلة السابع والعشرين لها اهتمام أكبر تاريخيا لدينا، بحكم التربية والتوجيه الديني الذين نشأنا عليهما في الأردن، وانتقل الأمر معنا لبريطانيا. ولكن هذه المرة كان الدور المنوط بي كرب للأسرة وإمام لها في الصلاة أكبر وأكثر مسؤولية؛ بين استشعار واجب الأمانة التي في رقبتي تجاه أسرتي، وبين انتقاء برنامج إيماني لإحياء الليلة مناسب لأوضاعهم وقدراتهم، مراعيا اختلاف ظروفهم وأعمارهم. وقد كان نقاش طويل مع الذات: هل أطبق قناعاتي بالدعاء باعتدال ونبرة شبه عادية، أم أقلد ما اشتهر بين الناس من تغن وإطالة وسجع محبوك بعناية في انتقاء الكلمات؟ وأحمد الله أن قناعاتي بهذا المضمار انتصرت، وأعتقد أن العائلة تقبلت.

لا أذكر أن جميع أفراد العائلة عندي قد تمكنوا من المحافظة على صلاة التراويح بل وحتى باقي الصلوات المفروضة؛ جماعة كما حافظنا عليها معا في رمضان هذا. لا أقول هذا محتفلا (لا سمح الله) بإغلاق المساجد، ولكن لأننا أحيينا سننا غائبة بعدم هجر الصلاة بالبيوت وعدم جعلها كالمقابر، واستشعرنا جميل ذلك.

كما قال القاضي يعقوب بن إبراهيم الفقيه الحنفي المشهور بلقبه “أبو يوسف”: “من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان فأحب إليّ أن يصلي في بيته”. وما روي عنه صلى الله عليه وسلم: “صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة”، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: “صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا”.

أعتقد أن وباء كورونا على سوئه (عافانا الله وإياكم منه)، قد حمل لنا بعض الإيجابيات والفوائد، ومنها هذه الأجواء الإيمانية التي عشناها ونعيشها في شهر رمضان المبارك مع عائلاتنا أو في خلواتنا، وقد قُيدت حركتنا وألغيت أنشطتنا وضيقت علينا أماكن خروجنا، فغدا المنزل محرابنا ومحل اهتمامنا؛ وحتى المقصر في أمور دينه منا (وكلنا ذلك الرجل) غدا مطلوبا منه أن يكون قدوة لأطفاله، يؤمهم ويحرك الخير في نفوسهم وعلى العبادة يشجعهم، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته.

بالنسبة لي أؤمن أن هذه الجائحة ساهمت بتقريبنا وعائلتنا من خالقنا عز وجل، وخففت من طغيان المادة في حياتنا. وأحسن الكريم لطفه بنا إذ جاءت ذروتها مع أجواء شهر رمضان المبارك، ليكون أشبه بمخيم إيماني عائلي اعتكفت به الأسرة وتقربت به من بارئها.

والله أسأل ألا يضيع لأحد جهدا، وأن يكرمنا جميعا بالقبول والعتق من النيران.

اكتب تعليقك على المقال :