أزمة الموقف الأوروبي من “طوفان الأقصى”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : وليد عبد الحي

مقدمة:
يضمّ الاتحاد الأوروبي European Union 27 دولة عضو، ويصل إجمالي عدد سكانه إلى نحو 449 مليون نسمة، ويبلغ إجمالي ناتجه المحلي نحو 19.35 تريليون دولار (الإسمي)، ونحو 26.64 تريليون دولار (المعادل الشرائي)، أي إنه قوة بشرية واقتصادية ضخمة، ناهيك عن أنه يشكّل الحضور الأكبر في حلف شمال الأطلسي (الناتو)North Atlantic Treaty Organization (NATO).

ذلك يجعل منه قوة دولية يجب وضعها في الاعتبار عند تناول القضايا الدولية، خصوصاً الشرق الأوسط، بحكم الروابط الجغرافية مع المنطقة، حيث يشكل البحر المتوسط نقطة الترابط هذه، والروابط التاريخية القديمة والحديثة والمعاصرة؛ ناهيك عن أن هناك عدة ملايين من العرب، بين 5-4 مليون نسمة، يعملون في دول الاتحاد أو يحملون جنسياتها؛ إلى جانب أن التجارة بين الطرفين تمثل 30% من التجارة العربية.[2] ذلك يعني أن الاتحاد الأوروبي يمثل كتلة لها أهميتها في تطورات النزاعات الشرق أوسطية، والتي يمثل طوفان الأقصى آخر جولة من جولاتها.

لكن البحث في درجة التناغم في السياسة الخارجية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ خصوصاً تجاه قضايا الشرق الأوسط وتحديداً تجاه القضية الفلسطينة يكشف عن أزمة على قدرٍ من التعقيد الكبير، وبشكل يجعل القدرة الأوروبية على التأثير أكثر ضيقاً، وهو ما سنتناوله في هذه الدراسة، من خلال تحديد مؤشرات التباين في المواقف الأوروبية عبر عدة مؤشرات، وهي:

أولاً: التباين في المواقف الأوروبية الرسمية: الاتحادية والقطرية:[3]

يمكن رصد الموقف الأوروبي من خلال بيانات الاتحاد الأوروبي الجماعية أو تصريحات الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل Josep Borrell من ناحية أو من خلال رصد البيانات الرسمية الصادرة عن دول الاتحاد بشكل فردي من ناحية أخرى. ومن الضروري فهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي ذات الصلة باتخاذ القرارات، فهناك البرلمان الأوروبي European Parliamentالذي يمثل مجتمعات الدول الأعضاء في الاتحاد، وهناك مجلس الاتحاد الأوروبي Council of the European Union الذي يمثل “حكومات” الدول الأعضاء، وهناك المفوضية الأوروبية European Commission التي تمثل المصلحة العامة للاتحاد، ومن المفترض طبقاً لإجراءات اتخاذ القرار أن تتناغم هذه المؤسسات الثلاث عند أخذ القرار. وتقوم المفوضية بتحضير تقرير عن الموضوع المراد مناقشته ويسمى التقرير “تقييم التأثير Impact Assessment”، حيث يتم استعراض المصالح والنتائج المختلفة للموضوع المطروح، ويتم أخذ “البيانات Data” من الحكومات ومن هيئات المجتمع المدني المختلفة في الدول الأعضاء، ومن الممكن أن يمتنع البرلمان الأوروبي عن مناقشة الموضوع إذا رأى أن من الأفضل مناقشته على المستوى المحلي (أي في كل دولة لوحدها). وما إن تقدم المفوضية تقريرها، يقوم البرلمان والمجلس بتقديم اقتراحاتهما أو طلب تعديلات على المشروع أو التقرير المقدم من المفوضية، فإذا تضارب موقف المفوضية مع مطالب التعديل فإن القرار يصبح بيد المجلس للقبول أو الرفض شريطة الاجماع في اتخاذ القرار، وفي هذه الحالة إذا لم يتحقق الإجماع يمكن أن تسحب المفوضية تقريرها، وعليه فإن القرار الأوروبي مرهون بموافقة كل من البرلمان والمجلس.

ذلك يعني أن القرار الأوروبي يحتاج لصدوره التوافق بين مصالح الدول الأعضاء، والتوافق بين المجلس الأوروبي والبرلمان مع مقترحات المفوضية، وهو أمر ليس من السهل تمريره خصوصاً أن الموافقة لا بدّ أن تكون بالإجماع وهو ما يزيد الأمور تعقيداً.[4]

وفي ظلّ هذه الملابسات في آليات اتخاذ القرار الأوروبي يمكن عرض الاضطراب الأوروبي تجاه الموقف من عملية طوفان الأقصى على النحو التالي:

1. الموقف من عملية طوفان الاقصى: يلاحظ في هذا البعد ثبات الموقف الأوروبي القائم على “إدانة” الهجوم الذي قامت به المقاومة الفلسطينية ووصفه “بالإرهاب والهمجية”، وهو موقف لم يصبه أي تغير من بداية الطوفان حتى هذه اللحظة، ويلاحظ في هذا الجانب غياب أو تحليل دوافع الطوفان عن البيانات والتحليلات الأوروبية الرسمية، ولم تتم الإشارة إلى أن قطاع غزة محاصر منذ الانسحاب الإسرائيلي منه سنة 2005، ناهيك عن الهجمات الإسرائيلية المتلاحقة على قطاع غزة، وخصوصاً العمليات العسكرية الكبرى؛ كما جرى في السنوات 2007-2005، و2009/2008، و2012، و2014، و2021، والتي تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين فيها نحو 4,756 شهيداً.[5] ناهيك عن عمليات الاغتيال لقيادات فلسطينية داخل القطاع.

ذلك يعني أن الموقف الأوروبي من الطوفان هو موقف منبت الصلة تماماً عن الأسباب التاريخية الدافعة له، وتمّ تقديمه كما لو أنه “مجرد هجوم للهجوم فقط”، بل إن التذكير المستمر بالطوفان—كعمل إرهابي—يرد في أغلب البيانات الأوروبية الجماعية والفردية الرسمية بل ونسبة غير هينة من وسائل الإعلام الأوروبية.[6] فإذا استثنينا هذا الجانب من الموقف الأوروبي، يمكننا تقسيم مواقف الدول الأوروبية إلى ثلاثة:[7]

• دول التأييد التام لـ”إسرائيل”: والذي يتمثل في الانحياز التام للموقف الإسرائيلي، ويتم التعبير عن ذلك من خلال مؤشرات تبدأ برفع الأعلام الإسرائيلية على المباني الحكومية أو التأييد التام للعمليات الإسرائيلية داخل غزة، بل وتبرير القتل الواسع للمدنيين الفلسطينيين، وتجنب أيّ انتقادات لأيّ سياسات إسرائيلية، وتتصدر هذا الموقف كل من التشيك والنمسا وهنغاريا وإلى حدٍّ ما ألمانيا.

• دول المواقف المعتدلة: وهو الذي ينتقد عملية الطوفان ولكنه يؤيد تحقيق السلام ويطالب بوقف إطلاق النار، وتتضمن بيانات هذه الدول نقداً لانتهاكات “إسرائيل” للقانون الدولي الإنساني، ويتمثل هذا الفريق بكل من بلجيكيا وإسبانيا وإيرلندا ويمكن اعتبار فرنسا قريبة من هذه الدول بقدر ما خصوصاً في المراحل الأخيرة.

* دول التيار المتحفظ الذي يساند “إسرائيل” ولكن بقدر من الحذر، وهو الموقف الذي يغلب على توجهات بقية دول الاتحاد.

* أما الموقف البريطاني، بالرغم أنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، فهو يتماهى بقدر كبير مع الموقف الأمريكي، وإن أصابه بعض التغيّر الطفيف في المراحل الأخيرة.

والملاحظ أن الموقف الأوروبي في اتجاهه العام هو أقرب للموقف الإسرائيلي، أما بعض التصريحات من بعض الشخصيات الأوروبية الرسمية التي تتضمن إدانة واضحة لـ”إسرائيل” واتهامها بالتمييز العنصري والدعوة لفرض عقوبات عليها بل ومقاطعتها، مثل بيان نائبة رئيس الوزراء الإسباني يولندا دياز Yolanda Díaz فهي تصريحات شخصية لا تمثل موقف الحكومة بشكل دقيق.[8] ناهيك عن أن الموقف الفردي لدولة معينة لا يمثل الاتحاد الأوروبي.

2. الموقف من الرد الإسرائيلي: تكاد مواقف التيارات الثلاثة السابقة تُقرُّ بشكل واضح على ما يُسمى “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، كما أنها تُدين بقوة عملية طوفان الأقصى، ومع إنها في البداية كانت تدعو إلى تأمين الاحتياجات الإنسانية للمدنيين في غزة إلا أن ذلك لم يكن يُشير بشكل واضح وصريح لمسؤولية “إسرائيل” عن ذلك، وهو ما ينطبق على تكرار الدعوة للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، دون الإشارة إلى آلاف المعتقلين الفلسطينيين في السجون الصهيونية.[9]

3. الموقف من البعد الإنساني خلال المعارك: تعددت زيارات المسؤولين الأوروبيين ومسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى المنطقة، وكان التركيز في هذه الزيارات على مسألتين هما موضوع المساعدات من ناحية وموضوع الرهائن الإسرائيليين من ناحية أخرى، وتتضح المواقف الأوروبية بخصوص أبعاد المواجهة بين طرفي الصراع من خلال بعض المؤشرات مثل:[10]

* نص البيان الأول للاتحاد الأوروبي في 2023/10/15 والذي امتنعت هنغاريا عن توقيعه على “إدانة بأقسى العبارات لهجوم حماس.. والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.. وضرورة حماية المدنيين.. وإطلاق فوري للرهائن دون أيّ شروط مسبقة.. وتوفير المساعدات للمدنيين وعدم إساءة استخدامها من قبل المنظمات “الإرهابية”، والتأكيد على الالتزام بتحقيق سلام دائم على أساس حل الدولتين.. والتعامل مع السلطة الشرعية الفلسطينية التي يمكن أن يكون لها دور إيجابي”. وتكرر هذا الموقف تقريباً بمضمونه كله في بيان القادة الأوروبيين في 2024/3/11 مع إضافة فقرة تدعو “إسرائيل” إلى الامتناع عن الهجوم على رفح، وتُدين بعض تصرفات المستوطنين الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية.[11] وفي 2024/4/3 أصدرت المفوضية بياناً يخصّ قتل الجيش الإسرائيلي لسبعة من العاملين في “المطبخ المركزي العالمي World Central Kitchen” الذي يشارك في تقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين في القطاع، وطالبت المفوضية الأوروبية بإجراء “تحقيق شامل وضمان محاسبة المسؤولين عن ذلك”.[12]

ومن الضروري هنا التنويه أن القرارات الأوروبية لا تتضمن أيّ إجراءات عقابية لـ”إسرائيل” على الرغم من هول المآسي الإنسانية في قطاع غزة، بل وأحياناً في الضفة الغربية، واقتصرت الإجراءات الأوروبية على خطوات متواضعة مثل فرض لجنة العقوبات الأوروبية لحقوق الإنسان لعقوبات على أربعة أفراد من المستوطنين وجماعتين من تنظيمات المستوطنين المتطرفة، بسبب مشاركتهم في التعذيب للفلسطينيين أو الاعتداء على ممتلكاتهم في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب مطالبة الاتحاد في بيانه في آذار/ مارس 2024 بضمان حرية وصول الفلسطينيين إلى الأماكن المقدسة في القدس، إلى جانب إدانة الاستمرار في سياسة الاستيطان في الضفة الغربية.[13]

* استمرار التضارب في تصريحات قادة الاتحاد الأوروبي، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قال المستشار الألماني أولاف تشولز Olaf Scholz بأن “إسرائيل دولة ديمقراطية تهتدي بالمبادئ الإنسانية، وهو ما يؤكد لنا أن الجيش الإسرائيلي سيحترم القواعد المنبثقة من القانون الدولي في كل ما يقوم به.. وأنا لا يساورني الشك في ذلك”، بينما انتقد كل من جوزيب بوريل وتشارلز مايكل Charles Michel رئيس مؤتمر القمة الأوروبي “الإغلاق الشامل لغزة ومهاجمة البنى التحتية المدنية”، وعدّه مناقضاً للقانون الدولي.[14] وهو ما يخالف أقوال المستشار الألماني.

أما البرلمان الأوروبي والذي يفترض بأنه يمثل الإرادة الشعبية الأوروبية فقد فشل في اتخاذ قرار بخصوص الأزمة، ولم يتمكن من الاتفاق على قرار إلا بعد أكثر من ثلاثة شهور على القتال، ففي كانون الثاني/ يناير 2024 اتخذ البرلمان الأوروبي قراراً يدعو إلى وقف إطلاق النار، لكن القرار يربط بين وقف إطلاق النار وبين شرطين هما “تفكيك حركة حماس واستعادة الرهائن الإسرائيليين دون أي شروط”،[15] وهو ما يعني تحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية المعلنة دون أن تتحمل “إسرائيل” أيّ خسائر. كما أن الاتحاد الأوروبي دعا في بيان وافقت عليه 26 دولة “لوقف إنساني” للقتال في شباط/ فبراير 2024، ولم تعترض على القرار إلا هنغاريا.[16] مما حال دون صدور القرار، وهو ما سعت له “إسرائيل”.

4. التصور الأوروبي لتسوية الحرب في غزة والتسوية للصراع العربي الصهيوني: يشير تتبع المواقف الأوروبية إلى تحولات تدريجية وبطيئة إلى حدٍّ ما في المواقف الأوروبية خلال طوفان الأقصى وخلال الصراع التاريخي، وهو ما يتضح في المؤشرات التالية:

* التحول في التصويت في الأمم المتحدة United Nations: عند مقارنة التصويت في الجمعية العامة United Nations General Assembly على مشروعات تسوية تتضمن وقف إطلاق النار الإنساني بعد طوفان الأقصى، لم يصوت لصالح القرار الأول في 2023/10/27 سوى 8 دول أوروبية من بينها فرنسا، من بين الـ 27 عضواً في الاتحاد الأوروبي، بينما عارض أو امتنع عن التصويت بقية الأعضاء، وفي قرار الجمعية في 2023/12/12 صوتت غالبية الدول الأوروبية لقرار الدعوة لوقف إطلاق النار باستثناء كل من النمسا وجمهورية التشيك وهما الأكثر تأييداً للموقف الإسرائيلي، وهو ما يتضح من الجدول التالي:

جدول رقم 1: التحولات في التصويت الأوروبي في الجمعية العامة حول طوفان الأقصى[17]
(يمكنكم الاطلاع على الجدول على موقعنا)

* أما في مجلس الأمن الدولي United Nations Security Council، فقد صدرت 3 قرارات عنه أولها في 2023/11/15 (أقره 12 عضواً) ويدعو لهدنة إنسانية، وفي 2023/12/22 (أقرته 13 دولة) صدر قرار بزيادة المساعدات الإنسانية وفتح المعابر لقطاع غزة، أما القرار الثالث فكان في 2024/3/25 فدعا لوقف إطلاق النار والإفراج غير المشروط عن الرهائن. وأجهضت الولايات المتحدة مشروع قرار قدمته الجزائر في مجلس الأمن الدولي في 2024/4/19 للاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.

* وعند مراقبة التصويت الأوروبي يتبين لنا:[18]

1. في القرار الأول امتنع الأوروبيون عن التصويت؛ سويسرا وفرنسا وبريطانيا ومالطا.

2. في القرار الثاني نال تأييد فرنسا وبريطانيا ومالطا وسويسرا.

3. القرار الثالث نال تأييد بريطانيا وفرنسا وسلوفينيا ومالطا.

4. مشروع القرار الذي أجهضه الفيتو الأمريكي، أيدته فرنسا ومالطا وسولوفينيا من ناحية، وامتنعت الدول الأوروبية من غير الأعضاء في الاتحاد عن التصويت؛ بريطانيا وسويسرا.[19]

وتدل المقارنة في التصويت أن عدد الدول التي اتجهت لموقف أقرب نسبياً للموقف الفلسطيني تزايدت خصوصاً في الجمعية العامة ومجلس الأمن، كما أن الموقف الفرنسي والبريطاني في مجلس الأمن اتسم ببعض التغير في الاتجاه ذاته.

وعند إلقاء نظرة تاريخية على السلوك التصويتي للاتحاد بشكل خاص وأوروبا بشكل عام، نجد أن صفة التباين تبقى قائمة، وهي مسألة تأثرت بتزايد عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي؛ فقد زاد عدد الأعضاء من 11 عضواً قبل انهيار الاتحاد السوفييتي إلى 27 عضواً الآن، من ناحية وبطبيعة التحولات التي أصابت النظام الدولي من ناحية ثانية. وتدل الدراسات الكمية أن موضوع الصراع العربي الإسرائيلي يحتل المرتبة الثانية من حيث درجة التوافق بين الدول الأوروبية (بعد موضوع الديمقراطية) في التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الفترة من 2005-1987، وكانت نسبة التوافق العامة هي 73% ولكنها تراجعت بعد ذلك، وتتغير نسبة التوافق من موضوع لآخر، وبلغت في قطاع التوافق على قرارات الأمم المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي 48%.[20] وتتباين في الموضوعات الأخرى بشكل واضح لا سيّما بين النظم الفرعية داخل الاتحاد الأوروبي.[21]

ثانياً: تعددية المواقف بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي:

أشرنا أعلاه إلى الهيئات المركزية في عملية صنع واتخاذ القرار الأوروبي (المفوضية والبرلمان والمجلس)، وإلى إشكالية قاعدة الإجماع في اتخاذ القرار، ونلاحظ هنا أن التضارب في المواقف ينعكس بين مؤسسات الاتحاد من ناحية وبين الدول الأعضاء من ناحية أخرى، ناهيك عن أن ضرورة الإجماع تعطي أيّ دولة ما يعادل حق النقض “الفيتو veto” على أي قرار، وقد اتضح ذلك بشكل جلي في مؤتمر القمة الأوروبي الذي تمّ عقده في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2023، حيث فشل المؤتمر في إصدار بيان حول الأزمة بالرغم من السعي الجاد من قبل بلجيكيا وإيرلندا ومساندة كل من سلوفينيا وإسبانيا للدعوة لوقف إطلاق النار، كما اتسم موقف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا ليين Ursula von der Leyen والمنتمية للحزب المسيحي الديموقراطي الألماني Christian Democratic Union of Germany، بقدر من التشدد لصالح “إسرائيل”. أما على المستوى الاستراتيجي لتسوية النزاع العربي الصهيوني، فبقي الاتحاد الأوروبي يكرر دعواته لتبني حل الدولتين دون الخوض في تفاصيل هذا الحل أو إجراءات تطبيقه. [22]

ثالثاً: التباين الأوروبي تجاه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين:

بعد أن ادعت “إسرائيل” أن 12 موظفاً من موظفي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East (UNRWA) في قطاع غزة شاركوا في طوفان الأقصى، اتخذت 18 دولة، من بينها بعض الدول الأوروبية، في مطلع كانون الثاني/ يناير 2024 قراراً بتعليق إسهامها في ميزانية الوكالة، وكان من بين الدول الأوروبية فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وفنلندا وبريطانيا، بينما أصرت كل من إسبانيا وإيرلندا ولوكسمبورغ على استمرار إسهامها في موازنة الوكالة، لكن الاتحاد الأوروبي عاد وأقر في مطلع آذار/ مارس 2024 تخصيص 68 مليون يورو يتم دفعها للفلسطينيين عبر الصليب الأحمر الدولي International Committee of the Red Cross وغيره من المنظمات الإنسانية إلى جانب الـ 82 مليون يورو المخصصة أصلاً لسنة 2024، لكن الاتحاد اشترط بعض الشروط لتطبيقها على العاملين الذين يتمّ توظيفهم في الوكالة بما يضمن عدم انخراطهم في أعمال “إرهابية”.[23]

وعلى الرغم من أن تحقيقاً دولياً أو أوروبياً لم يجرِ حول الادعاء الاسرائيلي، إلا أن دولاً وازنة كألمانيا وفرنسا وإيطاليا ومعهم بريطانيا سارعت لاتخاذ إجراء بتعليق المساعدة، وعلى الرغم من أن عدد موظفي وكالة الغوث لللاجئين الفلسطينيين يقارب 30 ألف موظف، فإن مخالفة (لو صح هذا الادعاء) أقل من0.04 % من الموظفين لا يبرر معاقبة مؤسسة دولية بهذا الحجم كما ذكر كاتب ياباني.[24] وقد انتقد عدد كبير من خبراء القانون الدولي في لجنة حقوق الإنسان الأممية القرار بتعليق المساعدات للوكالة، ورأوا أن تحميل الوكالة مسؤولية مخالفات بعض موظفيها—إنْ صحت—هو أمر غير جائز لأنه يرتب نتائج ضارة للغاية على حقوق الإنسان، وهو الموقف الذي ساندته محكمة العدل الدولية International Court of Justice،[25] وقد أدى غياب أيّ أدلة على الزعم الإسرائيلي إلى بداية إعادة النظر في قرار وقف المساعدات من عدد من الدول.

لكن موقف بعض الدول الأوروبية خصوصاً الكبرى منها يكشف سرعة اللجوء الأوروبي للإجراءات العقابية، حين الادعاء من الطرف الإسرائيلي، حتى لو لم يتم التحقق من هذا الادعاء، بينما يكون التلكؤ هو القاعدة في أيّ ادعاءات فلسطينية، حتى لو جرى التحقق من صحتها، ويعود ذلك في تقديرنا إلى ثلاثة أسباب هي:[26]

1. التكيف الأوروبي مع السياسة الأمريكية في إطار التنافس القطبي مع كل من الصين وروسيا، وهو ما يتجلى في هامشية الدور الأوروبي في اللجنة الرباعية لتسوية الصراع وهيمنة الولايات المتحدة على عمل اللجنة، وفي عدم المشاركة في مفاوضات تسوية الوضع في الحرب الحالية في غزة وترك ذلك للدور الأمريكي.

2. التباينات الأوروبية التي أشرنا لها بين مؤسسات الاتحاد من ناحية وبين مصالح الدول الأوروبية غير المتناغمة من ناحية ثانية.

3. التشرذم الإقليمي الذي يتضح جلياً في تباين المواقف العربية من ناحية، وتباين بعض المواقف العربية مع إيران، التي تمثل أحد أهم أركان النظام الإقليمي الشرق أوسطي من ناحية ثانية، وهو ما يجعل الدور الأوروبي أقل فاعلية.

رابعاً: الموقف الأوروبي من الهجوم الإيراني على “إسرائيل”:

اتسم ردّ الفعل من الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، تجاه الهجوم الإيراني على أهداف عسكرية إسرائيلية في 2024/4/13 بأبعاد ثلاثة:[27]

1. مشاركة عسكرية فعلية خصوصاً من فرنسا وبريطانيا في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية لحماية “إسرائيل”، وخصوصاً في المجال الجوي الأردني.

2. دعم التوجه نحو مزيد من العقوبات على إيران، خصوصاً في مجال التكنولوجيا العسكرية.

3. التأكيد على منع تصاعد المواجهات على المستوى الإقليمي.

وبتحليل المواقف الأوروبية الثلاثة نشير إلى ما يلي:

1. سرعة الاستجابة الأوروبية للرد على الموقف الإيراني بينما لم يتخذ الاتحاد الأوروبي أيّ إجراءات تجاه أيّ أفعال إسرائيلية مهما كانت، أي أن الاتحاد الأوروبي يعتمد “العتاب الديبلوماسي” لـ”إسرائيل” بينما يسارع لرد الفعل الإجرائي تجاه أي طرف يرى الاتحاد أنه معادٍ لـ”إسرائيل”، ففي الوقت الذي شاركت قوى أوروبية في التصدي للهجوم الإيراني وبدأت في مناقشة فرض العقوبات على إيران مباشرة بعد الهجوم، فإن الاتحاد الأوروبي اكتفى بـ”إدانة” الهجوم الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية في دمشق دون اتخاذ أي إجراء، على الرغم من أن الهجوم الإسرائيلي تجاوز جوهر القانون الدولي في شقه الديبلوماسي، بالهجوم على بعثة ديبلوماسية، وفي شقه السياسي بالاعتداء على سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، سورية، ناهيك عن أن الهجوم على البعثة الإيرانية ترتب عليه وقوع ضحايا مدنيين وعسكريين.

2. التأكيد على التباينات داخل الاتحاد الأوروبي خصوصاً في مجال السياسة الخارجية، ففي الوقت الذي تبنت فيه هولندا والتشيك والسويد دعوة لتصنيف الحرس الثوري الإيراني Islamic Revolutionary Guard Corps كمنظمة إرهابية، أبدت فرنسا وألمانيا تردداً في قبول الاقتراح بذريعة أن الأخذ بهذا القرار يستوجب إثبات قيام الحرس الإيراني بأعمال تمسّ الأمن الداخلي لدول الاتحاد، وهو أمر لا أدلة عليه.

خامساً: التحول في اتجاهات الرأي العام الأوروبي:

تراوحت المواقف الأوروبية بين التأييد الخجول للموقف الفلسطيني وبين التأييد الواسع على الرغم من أن بعض الدول الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا منعت مظاهر التأييد لفلسطين، وبعضها الآخر اتخذ إجراءات قمعية ضدّ مظاهر التأييد للفلسطينين مثل رفع الأعلام أو ارتداء الكوفية الفلسطينية وهو ما جرى في 12 دولة أوروبية، بل وتمّ تسجيل حالات استخدام عنف تمّ توثيقها في سبع دول أوروبية.[28] لكن المتابعة تشير إلى أن بعض الدول مثل فرنسا وسويسرا واجهت مشكلات مع الهيئات القضائية المحلية في محاولات منع مظاهرات التأييد للفلسطينيين.[29] وتكاد خريطة توزيع المظاهرات في أوروبا المؤيدة لفلسطين تطغى بشكل واضح على التأييد لـ”إسرائيل”.[30] ولعل ذلك يشير إلى التأييد الشعبي الأوروبي الواسع للموقف الفلسطيني، إذ تدل متابعتنا لاستطلاعات الرأي الأوروبي بخصوص طوفان الأقصى أن هناك قدراً من عدم التناغم بين المسؤولين في الاتحاد الأوروبي وبين القطاعات الشعبية بخصوص الموقف من عملية طوفان الأقصى، ويكفي أن نقارن بين مواقف أورسولا ليين الداعمة لـ”إسرائيل” دون أيّ تحفظات، ومواقف كلاً من رئيس المجلس الأوروبي تشارلز مايكل البلجيكي، وممثل الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الأكثر نقداً للمواقف الإسرائيلية من ناحية، ثم المقارنة بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي الأوروبي تجاه الأزمة. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي يمثل الموقف الهولندي الرسمي الموقف الأكثر انحيازاً لـ”إسرائيل” فإن 55% من المجتمع الهولندي يطالبون بمزيد من النقد للسياسات الإسرائيلية، مقابل 6% فقط يؤيدون دعمها، وفي ألمانيا التي تقف في المعسكر الأكثر عداء للموقف الفلسطيني فإن 61% من المجتمع الألماني يرفض مبررات السياسات الإسرائيلية مقابل 25% يؤيدونها.[31]

وتشير استطلاعات الرأي الأوروبي، بما فيها بريطانيا، إلى أن استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية دفعت مستويات التعاطف مع “إسرائيل” لدى الجمهور الأوروبي إلى التراجع بمعدل 9% خلال الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر إلى كانون الأول/ ديسمبر 2023، كما أن القطاع الشعبي المتعاطف مع أي من الطرفين، فلسطين أو “إسرائيل”، يكشف عن انشطار واضح في الموقف الشعبي الأوروبي، فمثلاً أبدى ما بين 31-24% تعاطفاً مع الطرفين، أي بمعدل 28% تقريباً، كما أن ما بين 37-27% من الأوروبيين “غير متأكد من تعاطفه”، وهو ما يعني أن 32% من الأوروبيين لا يُعرف أيهما أقرب لموقفه، وأن نحو 30% من الأوروبيين ليس مع أي طرف.[32]

أما عملية طوفان الأقصى تحديداً وردّ الفعل الإسرائيلي عليها فقد كشفت الاستطلاعات الأوروبية عن ما يلي:[33]

جدول رقم 2: توجهات الرأي العام الأوروبي تجاه تبرير الحرب على غزة بحسب الاستطلاع الذي أُجري في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2023
(يمكنكم الاطلاع على الجدول على موقعنا)

* ما عدا ألمانيا التي أُجري الاستطلاع بها أوائل كانون الأول/ ديسمبر 2023.

1. يلاحظ أن أعلى نسبة نقد لعملية الطوفان كانت بين الإسبان على الرغم من أن حكومتهم الأكثر قرباً من الموقف الفلسطيني، وكان الأقل نقداً للعملية الشارع الفرنسي على الرغم من أن الموقف الإسباني الرسمي متقدم بشكل واضح مقارنة بالموقف الرسمي الفرنسي.

2. كانت أعلى نسبة رفض لرد الفعل الإسرائيلي على الطوفان في المجتمع الإسباني أيضاً، بينما كانت نسبة أقل نقد في الشارع الفرنسي.

3. إن معدل رفض عملية الطوفان بين الأوروبيين هو 79% بينما معدل النقد للهجوم الإسرائيلي هو 46%.

أما بخصوص دعوة “إسرائيل” لوقف إطلاق النار فكانت النتائج كما يوضح الجدول التالي:

جدول رقم 3: موقف الرأي العام من توقف أو استمرار ”إسرائيل“ في حملتها العسكرية
(يمكنكم الاطلاع على الجدول على موقعنا)

والملاحظ، إن أعلى نسبة تأييد ”إسرائيل“ للاستمرار في عملياتها العسكرية هو في السويد 42%، وأقلها في إيطاليا، كما أن الرأي العام في كل من إيطاليا وإسبانيا أكثر ميلاً بشكل واضح إلى ضرورة وقف ”إسرائيل“ لإطلاق النار، بينما بقية الدول الأوروبية تراوحت نسب تأييد شعوبها لوقف إطلاق النار بين 55 و59%.

أما بخصوص حلّ الدولتين فكانت النتائج كما يوضح الجدول التالي:

جدول رقم 4: موقف الرأي العام الأوروبي من حلّ الدولتين
(يمكنكم الاطلاع على الجدول على موقعنا)

يلاحظ بخصوص حل الدولتين أن التأييد الأقل بين الفرنسيين 60%، بينما يصل إلى 70% بين سكان ألمانيا وإسبانيا، وهو ما يعني أن أكثر من ثلثي المجتمعات الأوروبية تؤيد حل الدولتين.

ومن الواضح أن المؤشرات الكمية السابقة تشير إلى تباعد المسافة السياسية بين بعض مواقف الحكومات الرسمية وبين شعوبها، وهو ما يجعل المشهد الأوروبي أكثر إرباكاً وأقل يسراً لاتخاذ القرار.

الارتباك الأوروبي:

أشرنا في الصفحات السابقة إلى معسكرات أو أجنحة متباينة تماماً في مواقف أوروبا الرسمية، فهناك تباين في مواقف الحكومات من الطوفان، وهناك تباين في التصويت في الأمم المتحدة من مرحلة لأخرى، وتباين في مواقف الرأي العام الأوروبي، وتباين في درجة اتساق الرأي العام في كل دولة مع توجهات حكومة هذه الدولة، وهو أمر ينطبق لا على دول الاتحاد فقط بل وعلى بريطانيا كدولة فاعلة في السياسات الأوروبية.[34]

واللافت للنظر، أن التباعد بين مواقف الدول الأوروبية ليس هامشياً، ويكفي مقارنة الموقف الإيرلندي والإسباني من ناحية مع موقف النمسا وجمهورية التشيك من ناحية ثانية، فإيرلندا أعلنت في الأسبوع الأول من نيسان/ أبريل 2024، على سبيل المثال، بأنها تسعى للانضمام إلى دعوى جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية؛ “لادماج موضوع عرقلة المساعدات الإنسانية ضمن مقومات الإبادة الجماعية”، خلافاً للموقف التشيكي أو الهنغاري.[35]

الخلاصة:

1. اتساع القبول الأوروبي بوقف إطلاق النار حسب قرارات الأمم المتحدة، الجمعية العامة ومجلس الأمن.

2. اتساع قاعدة النقد والرفض للموقف الإسرائيلي من المجتمع الأوروبي.

3. التراجع السريع عن وقف مساعدة وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين.

4. صعوبة اتخاذ القرار الموحد داخل الاتحاد الأوروبي بخصوص فلسطين.

5. مسارعة الديبلوماسية الأوروبية لاتخاذ إجراءات عملية ضدّ الطرف العربي في حالة الخلاف حول موضوع معيّن، بينما يتسم الموقف الأوروبي بالتلكؤ والمماطلة والذرائعية أمام المخالفات الإسرائيلية حتى الواضحة منها، ويتضح ذلك في غلبة الامتناع عن التصويت أوروبياً في مثل هذه المواقف.

6. إن التنافس القطبي على المنطقة، والتباينات الداخلية الأوروبية، والتشرذم الإقليمي عوامل تجعل وزن القرار الأوروبي أقل مركزية في الصراع العربي الصهيوني، بالرغم من القوة السكانية والاقتصادية والعسكرية والعلمية الأوروبية.

اكتب تعليقك على المقال :