آيا صوفيا .. البحث عن أمل من الخارج

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
كتب : ساري عرابي

أوّل ما يمكن أن يدل عليه السجال العربي، بين أفراد عالمه والقوى التي تعيش فيه، حول إرجاع مبنى آيا صوفيا إلى مسجد بعد اتخاذه متحفا حينا تطاول من الزمن، بهذا القدر من الاستقطاب والاهتمام العاليين، هو الفراغ العربي الكبير، بالرغم مما يمتلئ به المجال العربي من بؤس، وقضايا تستوجب الانشغال حدّ الاستغراق، وأحداث لم تزل تعصف بأمنه واستقراره ووحدة بلاده، وانهيارات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بيد أنّ الفراغ المقصود هو الفراغ من الأمل، والذي يعني بالضرورة قدرا من البطالة والكفّ عن الفاعلية.

لا يحتاج الأمر طبعا استعراض أحواله، على الأقل، في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن وفلسطين، والاختناق المفروض بقبضة العسكر على مصر مجتمعا واقتصادا وسياسة، ولا التردّي المروع الذي بلغته بعض السياسات الخليجية في تدمير الجوار العربي، ومدّ الجسور مع العدو الصهيوني لترتيب الشراكة في الهيمنة على المجال العربي، ولكنها شراكة أنظمة وأفراد، ضيّقة وخاصة وتابعة، مع كيان يبحث عن أمنه الوجودي بإدامة المأساة العربية، فهو، والحال هذه، كيان متبوع.

يخرج النقاش العربي، من وسط هذه المأساة، ليصطفّ بين مؤيد ومعارض للقرار التركي باستعادة المسجديّة لمبنى آيا صوفيا.

مسألة آيا صوفيا بتوقيتها وسياقاتها، محمّلة بالجذور التاريخية والأبعاد الدينية، وعلى نحو متّصل بتاريخنا الإسلامي المشترك مع الأتراك، وهو تاريخ منطقتنا كلّه الممتد منذ أول مجابهة عربية إسلامية مع الوجود البيزنطي في محيط الجزيرة العربية وأطرافها. ثم هي مسألة سياسية بامتياز، غير منفكّة عن صعود تركيا، الذي تؤسس له في بعضه، داخل أراضينا العربية.. مسألة كهذه، تداوُلُها في الأوساط العربيّة لا بدّ منه، والإفراط في تناولها والاصطفاف لأجل ذلك، في جانب منه، متفرّع عن تداخل اشتباكاتنا الداخلية، مع الفاعلية التركيّة الآخذة في الترسّخ في مجالنا العربي، لتمثل مصالح الملايين من الليبيين والسوريين الذين تحالفوا معها أو استنجدوا بها. وهي بذلك خصم لآخرين من البلدين نفسيهما، وكذا باتت ملجأ للعديد من القوى الهاربة من جحيم أنظمتها، أو تجد فيها مقرّا يحفظ لها ما تبقى من بقائها واستمرارها.

فالمسألة، ومهما قيل إنّها تركية داخلية؛ لها اتصال بالشعور القومي التركي المجروح، وبشرعية الوجود التركي على أنقاض الإمبراطورية الرومانية الشرقية، في حين رفض الاتحاد الأوروبي قبول تركيا فيه، لأسباب أكثر ما تتعلق بدين الشعب التركي، وظلّت فيه اليونان تنظر لإسطنبول على أنها القسطنطينية المسلوبة منها.

وفي وقت أخذت فيه علاقات الأوروبيين بالأتراك تتعقّد، والأخيرين يتحدونهم في المتوسط، فإنّها وبهذه الاعتبارات نفسها، تهمّ الجماهير العربية، التي وإن كانت لا تخلو من العاطفة الدينية الباحثة عن إحساس بالعزّة والاستقلال والكرامة، فإنها تدرك، وإن بصورة ضمنيّة، الأبعاد التاريخية والاستراتيجية لعلاقات تركيا المعقّدة راهنا، والمتشكلة من الصعود متعدّد الجوانب، والاستقلال التدريجي، واستعادة الهويّة، والاشتباك مع المحيط الأوروبي وفي المجال العربي. فكيف يمكن بعد ذلك، أن ينفصل العرب عن مسألة كهذه، هي، وفي كلّ الأحوال، ومهما صارت تركية، تظلّ جزءا من تاريخهم وحضارتهم، وفهمهم لمعنى وجودهم في المنطقة.

صحيح، أنّ السجالات التي تُرصد في مواقع التواصل الاجتماعي، سريعا ما تعبر وتخرج، وقد لا تعبّر عن انشغال الناس خارج فضاءاتهم الزرقاء الالكترونية، إلا أنّ الحضور التركي راسخ في الرصد العربي، والاستقطاب العربي، لما سبق، ولما أسّسنا له بالحديث عن الفراغ من الأمل، والبطالة من الفاعلية. بيد أنّه وحين الحديث عن البطالة، لا ينبغي أن تُظلم الجماهير العربية التي قادت ملاحم تحررية، لم تزل تتجدد في بعض البلدان منذ مطلع الثورات العربية، إلا أنّ هذه الجماهير التي سُحقت أحلامها في مصر بما انعكس على المجال العربي برمته، والتي تجابه الحائط المغلق في فلسطين، وينصبّ عليها التيئيس بلا كلل من الثورات المضادة، لا بدّ وأن يلفّها الإحباط، وأن تتوسل قضية للانشغال بها عن الانسداد في الداخل العربي..

هي تكشف على نحو ما عن استقطابات داخلية لا تجد لها متنفسا سياسيّا طبيعيّا في الداخل، ثمّ هي وبحكم ذلك التداخل الشديد مع السياسات التركية الراهنة، تبحث عن أمل، قطعت طريقها إليه في الداخل من بعد ثوراتها، تلك الثورات التي أكثر ما خيّم فيها الأمل الرومانسي، فتنظر إلى أمل في الخارج، هو هذه المرّة سياسات الرئيس التركي الحالي، رجب طيب أردوغان. وإن كان بعض المنشغلين بالأمر لهم أسبابهم الثقافية المنفصلة عمّا سبق.

على الأرجح، لو لم تُقطع طريق الأمل أمام الجماهير العربية، لكانت ما تزال تشقّها في الداخل، ولكانت نظرتها (الجماهير) للأتراك، حتى في الشراكة معهم والتعويل عليهم، فيها قدر كبير من الذاتية والندية والإحساس بالذات الفاعلة، أمّا وقد ردمت تلك الطريق، واستنزفت الجماهير، فإنها اليوم تنظر إلى أردوغان باعتباره أملا ممكنا.

وهنا لا يمكن تغييب الكوامن الأيديولوجية، ولكن مصاديقها الواقعية هي الأهمّ، من علامات الصعود التركي، واستعادة تركيا لهويتها، وحيويتها في فرض نفسها فاعلا في المنطقة من موقع التحدّى، وإن كان بأدوات لا تخلو من المراوغة، دون أن تصادم تطلعات الجماهير العربية، بل تدعم تلك التطلعات، وحينئذ لا بدّ من ظهور الكثير من النقد لبعض من السياسات التركية. فهذا القدر من الفاعلية والمراوغة، وأحيانا تضارب المصالح الآنية بين قاعدة المصالح التركيّة والمأمول من تركيا، سينجم عنه ما يستدعي النقد والشعور بخيبة الأمل أحيانا، إلا أنّ الأكثر ثباتا وصعودا هو الثقة بصانع السياسات التركي الحالي، لا سيما وخصومه في المجال العربي هم الأشدّ حطّا من مكانة الأمة، وسحقا للجماهير وتطلعاتها، وتبعية لأكثر الناس عداء للأمّة!

هذا الأمل المبحوث عنه في الخارج، ليس مجرّد عاطفة، بل يلحظ كلّ تلك الاشتباكات والتعقيدات والأبعاد، ويدرك أنّ المصلحة التركيّة ليست منفكّة، ولا هي بالضرورة على الضدّ من تطلّعات الجماهير، واستمرار الأمل دليل على استمرار الحياة وإمكانيات التغيير وعدم التسليم لقوى التحطيم. وهذا في حدّ ذاته مهمّ.

اكتب تعليقك على المقال :